يواجه ملف إعادة إعمار قطاع غزة المدمر بفعل الحرب التي شنتها إسرائيل عليه رؤى متباينة بين قوى دولية وإسرائيل، مع تفاقم المعاناة الإنسانية الكبيرة جراء ضبابية المشهد بشأن هذا الملف.
ويرتبط الملف بتعقيدات كبيرة، خاصة أنه مرتبط بتكلفة عالية تقدر بنحو 70 مليار دولار؛ ما يجعل الولايات المتحدة القادرة على حشد هذه الموارد المالية الكبيرة، صاحبة الصوت الأعلى فيما يتعلق بالإعمار.
ويرى مختصون أن الخطة المصرية للإعمار، التي تبنتها جامعة الدول العربية، ولاقت استحسانًا أوروبيًّا، هي المسار الواقعي الوحيد القادر على إعادة الحياة للقطاع، شرط تجاوز القضايا الشائكة وتمويل عملية شاملة تضمن الاستقرار وإعادة الأمل لأهالي غزة.
يرى المحلل السياسي أحمد الطناني، أن المعضلة الأساسية في ملف إعادة إعمار غزة تكمن في غياب إطار واضح وجدي في خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ لم تحدد شكلًا تفصيليًّا أو آليات عملية للإعمار؛ ما يجعلها عرضة للتغيير والتأجيل والمماطلة تبعًا لتطورات الأوضاع ومواقف الأطراف المعنية.
وقال الطناني لـ"إرم نيوز" إن "الأولوية الدائمة يتم منحها للموقف الإسرائيلي الذي يربط الإعمار بتحقيق أهداف الحرب، وهي أهداف لم تنجح إسرائيل في حسمها عسكريًّا، ومن غير المرجح أن تحققها عبر الأدوات الدبلوماسية".
وأضاف: "هذا يتقاطع مع تاريخٍ إسرائيلي طويل في توظيف الإعمار والاحتياجات الإنسانية كأدوات للضغط والابتزاز، بهدف إدامة معاناة سكان القطاع، بالإضافة إلى بروز الخطة العربية لإعادة الإعمار التي قدمتها مصر، وحظيت بإجماع عربي وإسلامي"، مشيرًا إلى أنها المسار الجدي والواقعي الوحيد.
وأوضح أن "هذه الخطة تقدم إجابات عملية تتلافى المخاطر الإستراتيجية التي تهدد الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها المساعي الإسرائيلية لتقليص مساحة قطاع غزة، وإفراغه من سكانه، وإعادة الاستيطان في أجزاء منه، وفرض سيطرة إسرائيلية طويلة الأمد على مساحات واسعة من القطاع".
وبين المحلل السياسي أنّ "الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى دفع الإدارة الأمريكية نحو طروحات غير واقعية بهدف إطالة أمد التخطيط لإعمار حقيقي، ومن بينها الحديث عن غزتين، عبر البدء بإعادة الإعمار في المناطق الشرقية الخاضعة لسيطرة للجيش الإسرائيلي، وتقديمها كنموذج لغزة الجديدة".
وقال إن "هذه الأفكار تهدف إلى إفراغ أي اندفاعة أمريكية من مضمونها، في إطار رهان إسرائيلي على عامل الوقت والانشغال الأمريكي، بما يُبقي القطاع تحت الركام لسنوات، ويُبقي السيطرة الإسرائيلية قائمة، ويفتح المجال أمام مخططات تحويل غزة إلى منطقة غير قابلة للحياة، بما يخدم أهداف التهجير".
واعتبر أن "هذا الواقع يضع الإقليم والوسطاء، ولا سيما مجلس السلام المشكّل حديثًا، أمام مسؤولية جدية في الدفع نحو تطبيق خطة الإعمار المصرية، بوصفها الإطار الوحيد القادر على إعادة الحياة وتحقيق الاستقرار في القطاع".
وحذر الطناني من أن استمرار استنزاف الأفكار الأمريكية سيحوّل الحرب من فعل حربي إلى واقع مستدام، يُبقي سكان غزة عالقين في الخيام لسنوات دون أي حلول حقيقية.
بدوره يرى المحلل السياسي خليل أبو كرش أن المماطلة الإسرائيلية في هذا الملف هي العامل الأساسي، وأن تحكّم إسرائيل في المعابر والمداخل وكل التفاصيل يجعلها عنصرًا محوريًّا وحاسمًا في تسريع أو تعطيل عملية الإعمار وإعادة البناء.
وقال أبو كرش لـ"إرم نيوز" إن "ملف إعادة الإعمار يشهد ضغطًا إقليميًّا ودوليًّا متزايدًا، وهو ضغط مؤثر ومهم في محاولة إجبار إسرائيل على السماح بإدخال المواد اللازمة، وتمكين لجنة إدارة غزة من العمل، والالتزام بالاتفاق، ولا سيما في مرحلته الثانية التي تنص على انسحاب إسرائيلي من الخط الأصفر وصولًا إلى الخط الأحمر".
وأضاف: "في ظل تعدد الرؤى المطروحة، تبدو الرؤية الأمريكية الأقرب إلى التحقق، كونها الأكثر قدرة على التأثير في الطرفين؛ حركة حماس من جهة وإسرائيل من جهة أخرى" مشددًا على وجود دعم إقليمي وعربي وإسلامي واسع ومهم في هذا السياق، خاصة أن عملية الإعمار تتطلب أموالًا طائلة.
وتابع المحلل السياسي: "جزء أساسي من العملية لا يرتبط فقط بقدرة اللجنة على العمل، بل بقدرتها على تجنيد التمويل اللازم لمرحلة إعادة الإعمار".
وأوضح أن "فكرة المدن الخضراء والإعمار الجزئي في رفح ليست جديدة، إذ سبق أن تحدثت إسرائيل عمّا سُمّي بالفقاعات الإنسانية، إلا أن الإشكالية الحقيقية تكمن في الواقع الميداني، وما يتضمنه من أنفاق، ومخلفات حرب، وبقايا عسكرية وذخائر غير منفجرة، وهي عوامل تشكل عائقًا مباشرًا ومؤثرًا أمام عملية إعادة الإعمار".
واعتبر أنّ "السؤال الجوهري يتمحور حول طبيعة الإعمار، وهل سيكون جزئيًّا أم شاملًا؟ ففي حال كان جزئيًّا، يبرز مصير من ستشملهم العملية ومن سيبقون خارجها، أما الإعمار الشامل فيتطلب تنفيذ الاتفاق بكامل مراحله، وهو أمر يخضع لجملة من التعقيدات، أبرزها الابتزاز السياسي، والواقع السياسي العام، وعدم تشكّل قوة دولية حتى الآن".
وأضاف أنّ "نجاح الإعمار يبقى مرهونًا أيضًا بقدرة الإقليم والعالم والمنظومة الدولية على تجنيد التمويل اللازم، وأن هذه العوامل مجتمعة تجعل ملف الإعمار بالغ الحساسية والتعقيد".
وأشار إلى أن الموقف الفلسطيني يتجه بوضوح نحو إعادة إعمار شاملة، وأن الإعمار الجزئي غير مقبول لأنه يكرّس وجود نموذجين داخل المجتمع الواحد، نموذج مقبول ومتاح للحياة، وآخر يغرق في البؤس واليأس واستمرار المأساة".