شهدت الساعات الأخيرة تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق في السودان، مع تحوّل إقليم النيل الأزرق إلى جبهة نشطة للمرة الأولى منذ عام 2011.
يأتي ذلك مع تقدم ملحوظ لـ"قوات الدعم السريع" وحلفائها من الحركة الشعبية – شمال، حيث تتركز التحركات جنوب وغربي الإقليم، على مقربة من الحدود الإثيوبية وجنوب السودان، في مؤشر واضح على إمكانية فتح جبهات قتال جديدة بعد فترة هدوء نسبي طويلة.
وفي الوقت الذي لا تزال فيه قوات بورتسودان تحتفظ بسيطرتها على مدينة الدمازين، شهدت الأيام الماضية تصاعدًا مهمًا في استخدام الطائرات المسيّرة، إذ قصفت قوات الدعم السريع وحلفاؤها مواقع استراتيجية في الدمازين والروصيرص، فيما استهدفت قوات البرهان تجمعات لـ"الدعم السريع" والحركة الشعبية في منطقة بابوس، القريبة من الكرمك والقيسان، ما دفع بالإقليم إلى واجهة الحدث مجددًا.
أما في دارفور، فقد تواصلت المواجهات حول منطقتي هبيلا وجرجيرة، حيث تتضارب الروايات حول السيطرة على هاتين المنطقتين الحيويتين، إلا أن الوقائع الميدانية، بحسب معظم المصادر المحلية وتقارير المراقبين، تشير إلى أن قوات الدعم السريع هي الطرف الأكثر حضوراً وقدرةً على فرض واقعها هناك، ما يعكس تغيرًا أعمق في خطوط التماس وموازين القوة داخل الإقليم وفي المشهد السوداني الأوسع.
هذه التطورات المعقدة أعادت فتح النقاشات في الدوائر الدبلوماسية حول مستقبل سلطة بورتسودان بقيادة عبد الفتاح البرهان، وسط تزايد التساؤلات عن شكل المرحلة المقبلة وإمكانيات إعادة رسم خارطة السلطة والسيطرة في البلاد.
وبحسب تقييمات مصدر دبلوماسي أمريكي متابع للملف السوداني، ترى الدوائر السياسية في واشنطن أن التصعيد الأخير في النيل الأزرق يمثل تحوّلاً نوعياً يُنذر بفتح جبهات جديدة في جنوب شرقي السودان.
ويقدّر المصدر خلال حديث لـ"إرم نيوز"، أن هذا التطور أربك منظومة القيادة العسكرية في بورتسودان وأعاد تشكيل أولويات التوزيع الميداني للقوات، فقد باتت قوات بورتسودان مضطرةً لتعزيز حضورها في عاصمة الإقليم وفي المناطق الحدودية، على حساب مواقع أخرى شهدت تراجعاً في السيطرة والمتابعة.
ويضيف المصدر أن التقدم الأخير الذي "الدعم السريع" وحلفاؤها في مناطق استراتيجية بالنيل الأزرق أظهرت تراجعاً في قدرة قوات بورتسودان على ضبط خطوط التماس ومواكبة التحولات السريعة، وهو ما دفع قيادة بورتسودان إلى البحث عن وساطات إقليمية عاجلة ومحاولة امتصاص الضغوط الميدانية والسياسية المتزايدة.
ويختم المصدر بأنه وفي ظل هذا الواقع الجديد، بات من الصعب تصور أي تفاوض دولي جاد حول مستقبل السلطة في السودان من دون أخذ المتغيرات الميدانية الأخيرة في النيل الأزرق ودارفور بعين الاعتبار، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الإنسانية والأمنية على المستويين المحلي والإقليمي.
في حين يرى مراقبون سودانيون ودوليون أن تصاعد العمليات العسكرية في النيل الأزرق يشكل تحوّلاً حقيقياً في مسار الحرب السودانية، إذ لم يعد الصراع محصوراً في جبهات دارفور وكردفان فقط، بل تمدد إلى مناطق ذات حساسية تاريخية وقومية بالغة، ويهدد بإعادة رسم خرائط السيطرة والنفوذ على المستوى الوطني.
وتشير التحليلات إلى أن انخراط الدعم السريع في معارك النيل الأزرق، مع تزايد النشاط المسيّر، قد يؤدي إلى تزايد الضغوط الدولية لدفع الأطراف نحو تسوية سياسية، إلا أن طبيعة التعقيدات الميدانية ترجح استمرار التصعيد في المدى المنظور.
بينما تلفت مصادر سياسية سودانية إلى أن التحول العسكري في النيل الأزرق وضع سلطة بورتسودان أمام واقع جديد أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً. وتؤكد أن استهداف الدمازين والروصيرص بالطائرات المسيّرة مع تصاعد نشاط الحركة الشعبية - شمال، فرض على القيادة السياسية للبرهان مراجعة خططها والتعامل مع تهديدات أمنية جديدة لم تشهدها المنطقة منذ سنوات طويلة.
وتضيف المصادر أن تطويق الدمازين بهجمات منسقة والتحركات المفاجئة في بابوس ومنطقة الكرمك رفع حالة الاستنفار إلى أقصاها داخل دوائر السلطة، وخلق ارتباكاً في تحديد الأولويات بين الدفاع عن المدن الكبرى أو تعزيز المواقع الحدودية مع إثيوبيا.
وفي معرض تقييمها للوضع السياسي الأوسع، تؤكد المصادر أن التحالفات التقليدية المحيطة بالبرهان أصبحت أكثر هشاشة أمام ديناميكية تحركات الدعم السريع، وتكثيف العمليات العسكرية أظهر خللاً واضحاً في آليات التنسيق بين القوى المتحالفة مع قوات بورتسودان.
هذا وتشهد سلطة بورتسودان في الفترة الأخيرة تباينات ملحوظة بين عدد من الأطراف السياسية حول أسلوب إدارة المرحلة والملف السياسي السوداني. وفي هذا السياق، تفيد مصادر "إرم نيوز" بأن مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور، أعرب أخيراً عن اعتراضه على طريقة إدارة المسار السياسي من قبل سلطة بورتسودان، معبّراً عن رفضه لبعض الممارسات التي اعتبرها تقلّصاً في مساحة التشاور والسياسات التشاركية.
وتشير المصادر إلى أن مناوي انتقد ما وصفه بالممارسات التي تخرج القرارات أو المواقف عن سياقها الحقيقي، مؤكداً ضرورة أن يتّسم التعامل مع القضايا الوطنية بالشفافية والمكاشفة والحوار الجاد بين مختلف القوى السياسية، حتى يتسنى بناء أرضية مشتركة تخدم المصلحة الوطنية وتحوّلات المرحلة الراهنة، وفق قوله.
من جانبه، أشار فيليب كارتر، الباحث المتخصص في النزاعات والتحولات السياسية في القرن الأفريقي، إلى أن ما يحدث اليوم في السودان يمثل لحظة اختبار قاسية لمفهوم السيطرة، فقد رأى أن التحولات في النيل الأزرق كشفت عن قدرة الفاعلين المؤثرين عسكريًا على إعادة تعريف معنى "القوة" في بلد تمزقه الشكوك والمخاوف وتعيد تشكيله الأدوات العسكرية الذكية والتحالفات المؤقتة.
واعتبر كارتر خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن دخول الطائرات المسيّرة كسلاح أساسي في معارك النيل الأزرق لم يغيّر توازنات النار فقط، إنما غيّر أيضاً علاقة السكان أنفسهم بفكرة السلطة، إذ صار الجميع يتوقع تغير السيطرة في أي لحظة، وتراجعت فكرة الأمان التقليدي لمصلحة منطق "النجاة المؤقتة".
ولفت إلى أن سلوك المجتمعات المحلية بات محكوماً ببراغماتية مفرطة: "فمن يقاوم اليوم قد يفاوض غدًا، ومن يسيطر الآن قد يضطر للهروب بعد أسبوع، وكل هذا يعكس تحوّلاً عميقًا في البنية السياسية".
كما حذر كارتر من أن هذه المرحلة تحمل في طياتها مفارقة شديدة الخطورة: "في الوقت الذي تزداد فيه أدوات الحرب ذكاءً ورقابة، يصبح الاستقرار السياسي أكثر هشاشة، وتتحول جغرافيا السلطة في السودان إلى فسيفساء متبدلة تحكمها مصالح صغيرة وقدرات فائقة على المناورة الميدانية والاقتصادية".
بينما يذهب المحلل السياسي السوداني، عبد الحكيم بابكر، إلى أن التحولات الجارية في النيل الأزرق كشفت عن عجز سلطة بورتسودان عن استيعاب المتغيرات الميدانية. ويرى خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن تقدم الدعم السريع وحلفائه في هذا الإقليم سيغيّر قواعد الاشتباك، ويعيد تشكيل معادلات القوة على نحو لم يعد يتيح لسلطة بورتسودان فرض رؤيتها.
ويؤكد بابكر أن التطورات الأخيرة أظهرت كيف استطاع الدعم السريع أن يحول حالة الجمود السياسي إلى ديناميكية جديدة، إذ باتت أطراف كثيرة تعيد النظر في مواقفها وتتحسب لمعادلات قادمة لا تصب في مصلحة سلطة بورتسودان، بحسب رأيه. ويشير أيضاً إلى أن التحالفات الهشة داخل معسكر بورتسودان فشلت في إنتاج أي مشروع سياسي قادر على احتواء التصعيد أو تقديم ضمانات للتهدئة، فيما بات الدعم السريع يمثل في نظر قطاعات واسعة من المجتمع الفاعل الذي يصعب تجاهله أو القفز فوقه في أي تسوية مرتقبة.
ويختم بابكر بأن الرهان على تجاوز الأزمة عبر صيغ تقليدية لم يعد ممكناً، وأن أي محاولة لترميم شرعية بورتسودان دون الاعتراف بالواقع الجديد الذي فرضته التحولات الميدانية والسياسية الأخيرة ستظل محكومة بالفشل والعزلة.