أحيا لقاء رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، مع محمد كشلاف، الملقب بـ "القصب"، زعيم ميليشيا تنشط في مدينة الزاوية غرب البلاد ومطلوب دولياً، مخاوف من عدم تسليم المطلوبين دولياً إلى العدالة.
ونددت أوساط حقوقية وسياسية بخطوة الدبيبة، ودعت إلى تسليم "القصب" الذي يُتهم بإدارة شبكات لتهريب البشر والنفط، لكن المراقبين يستبعدون قيام حكومة الوحدة بتسليم المطلوبين، خاصة أن التسليم لا يقتصر على كشلاف، إذ هناك شخصيات أخرى مطلوبة مثل أسامة نجيم، وهو مدير أحد السجون الليبية سابقاً.
وقال المحلل السياسي الليبي، الدكتور خالد محمد الحجازي، إنّ: "الجدل بشأن المطلوبين دولياً لا يمكن فصله عن طبيعة السلطة القائمة، ولا عن شبكة المصالح والتحالفات التي تحكم المشهد السياسي والأمني في غرب ليبيا".
وأضاف الحجازي، في تصريح خاص لـ "إرم نيوز"، "من حيث المبدأ ونظرياً تلتزم الحكومة الليبية بالتعاون مع العدالة الدولية، لكن عملياً، يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل يمتنع الدبيبة عن تسليم المطلوبين؟ المؤشرات الواقعية تقول نعم، على الأقل في المرحلة الحالية".
وأوضح: "الدبيبة يدير سلطته عبر توازنات دقيقة مع مجموعات مسلحة وشخصيات نافذة، وتسليم أي اسم ثقيل قد يفتح عليه أبواب مواجهة داخلية تهدد بقاء حكومته، أو تعيد الفوضى الأمنية إلى العاصمة".
وأكد: "فيما يتعلق بالقصب، فإن الجدل لا يدور فقط حول شخصه، بل حول الرسالة السياسية التي حملها اللقاء ذاته: رسالة مفادها بأن من يملك النفوذ والسلاح يمكنه فرض حضوره، حتى وإن كان اسمه مطروحاً في دوائر الجدل الحقوقي أو الأمني".
وأشار إلى أن "هذا النمط من التعاطي يعكس منطق الاحتواء بدل المحاسبة، وهو منطق ساد طويلاً في ليبيا بعد 2011".
وبين الحجازي أنّ "مصير هؤلاء، في المدى القريب، هو الاستمرار تحت مظلة الحماية السياسية والأمنية، مع احتمالات التدوير الوظيفي أو التهميش الشكلي دون المساس بجوهر النفوذ. أما في المدى المتوسط والبعيد، فإن المعادلة قد تتغير فقط إذا ارتفع منسوب الضغط الدولي، سواء عبر العقوبات أو العزلة السياسية، أو إذا حدث تغيير جذري في السلطة التنفيذية نفسها".
من جانبه، أوضح المحلل السياسي، حسام الفنيش، أن "ملف تسليم المطلوبين سواء المدرجين على قوائم العقوبات الدولية أو المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية لا يدار في ليبيا بمعزل عن موازين القوة والتحالفات القائمة".
وأشار إلى أنه "في هذا السياق لا يمكن قراءة امتناع الحكومة عن تسليم شخصيات أمنية نافذة مثل القصب أو غيره بوصفه قرارا قانونيا صرفا بل كجزء من معادلة توازن غير معلنة تهدف إلى تجنب الصدام مع قوى قادرة على تعطيل المشهد الأمني لا سيما في العاصمة ومحيطها".
وأضاف الفنيش، في تصريح لـ "إرم نيوز"، أنّ: "المحكمة الجنائية الدولية نفسها لا تعمل وفق منطق الملاحقة الشاملة أو المتزامنة بل تعتمد أولويات مدروسة توازن فيها بين جسامة الجرائم وإمكانية التنفيذ ومستوى التعاون المحلي".
وتابع: "ينسحب هذا التعقيد على دور النائب العام الليبي الذي لا يملك عمليا فتح كل الملفات في آن واحد ليس لغياب الإرادة القانونية بل لوجود قضايا شديدة الحساسية ترتبط بشبكات نفوذ مسلحة وتحالفات نافذة ما يجعل تحريكها قراراً سياديا عالي الكلفة أكثر منه إجراء قضائيا تقنيا".
وأكد أنّ "مصير شخصيات مثل القصب أو نجيم لا يبدو مرتبطا بإجراءات وشيكة بقدر ما هو مرهون بتغير موازين القوى. فالتجربة الليبية تشير إلى أن تسليم المطلوبين لا يحدث عادة إلا عندما يتحول وجودهم إلى عبء سياسي أو أمني أو حين ترتفع كلفة حمايتهم مقارنة بكلفة التخلي عنهم داخليا أو دوليا".
وختم الفنيش: "بعض اللقاءات المثيرة للجدل مع شخصيات مدرجة على قوائم العقوبات لا يمكن فصلها عن منطق إدارة المخاطر واحتواء التهديدات ولا عن تبني هذه الشخصيات أو تبرئتها، فالسلطة التنفيذية رغم خطابها المعلن حول السيادة والالتزام بالقانون الدولي ما تزال مضطرة لإدارة واقع أمني هش تفرض فيه القرارات بموازين القوة أكثر مما تفرض عبر النصوص".