يُفاقم التصعيد المتواصل بين مجلسي النواب والدولة في ليبيا من حالة الانسداد السياسي، ويهدد بنسف خريطة الطريق الأممية، حيث انجرفت هذه المرة المفوضية العليا للانتخابات نحو الخلافات التي تمحورت حول تفسير إعادة تشكيلها.
ودخلت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه على خط المناكفات السياسية منذ الثلاثاء الماضي، للتذكير بما ورد في إحاطتها أمام مجلس الأمن بتاريخ الـ19 من ديسمبر، مؤكدة عزمها طرح "آلية بديلة" في حال فشل المجلسين في التوصل إلى توافق بشأن استحقاقات خريطة الطريق السياسية.
وشكّل "التصويت أحادي الجانب" للمجلس الأعلى للدولة على اختيار صلاح الكميشي رئيسًا لمجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، منعرَجًا خطيرًا في العملية السياسية بعد حصوله على 63 صوتًا مقابل 33 صوتًا لمنافسه العارف التير. وهي العملية الانتخابية التي جاءت في ظل احتدام الخلاف السياسي بين مجلسي الدولة والنواب حول إدارة الاستحقاق الانتخابي.
وقبلها في الـ29 من ديسمبر/ كانون الأول الماضي صوّت مجلس النواب بالموافقة على استكمال تعيينات مجلس المفوضية العليا للانتخابات على أن يبقى عماد السائح رئيسًا لمجلس إدارة المفوضية.
ورفض رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح في تصريحات تلفزيونية تغيير مجلس المفوضية، متهمًا رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة بأنه لا يرغب في "تغيير المشهد السياسي"، وأنه يسعى إلى "تعطيل" إجراء الانتخابات، كاشفًا عن رفضه لقاء تكالة خلال لقاء كان من المفترض أن يجري بينهما في باريس خلال النصف الثاني من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، على خلفية "عدم التزام تكالة بالحضور إلى لقاء كان من المفترض أن يجري في القاهرة"، دون أن يحدّد موعد هذا اللقاء.
وقال الباحث والمحلل في الشأن السياسي إدريس احميد، إن هذه النزاعات سبقها اتفاق مجلسي النواب والدولة على المناصب السيادية، بما فيها المفوضية العليا للانتخابات، لكن بعد انتخاب تكالة كخليفة لخالد المشري، أصبح هناك فتور بينهما، وما حدث من خلال انتخاب رئاسة جديدة وجدت معارضة من البرلمان وبعض أعضاء مجلس الدولة فيه خطوة سوف تسهم في زيادة الانقسام، وسط رفض أممي للإجراء الأحادي.
وكشف إدريس في تصريح لـ"إرم نيوز"، عن تراجع مجلس الدولة عن تفاهماته السابقة، معتبرًا أن هذا التحول يأتي في إطار تناغم واضح مع حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة.
وأوضح أن الحكومة تسعى حاليًّا لفرض تعديل وزاري كبديل عن الاستحقاق الانتخابي، وهو توجه يصطدم مباشرة مع رؤية البعثة الأممية التي تضغط باتجاه مقترحات جديدة تضمن إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في أقرب وقت.
وفيما يتعلق باقتراح عقيلة تشكيل هيئة جديدة توقع الباحث السياسي معارضة في طرابلس؛ ما يعكس حالة الجمود والانقسام في المشهد السياسي، في الوقت الذي تتحرك فيه الأمم المتحدة في إطار الحوار المهيكل وهو مسار آخر، مضيفًا أنه لا بدّ من إيجاد حل آخر في ليبيا من أجل طي الانقسام الذي له انعكاسات مباشرة على الليبيين.
وكان رئيس البرلمان، قال إن الاتجاه نحو تشكيل حكومة جديدة موحدة تشرف على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية "صار مستحيلًا" في ظل الظروف التي تمر بها البلاد، محذرًا من أن عدم إجراء الانتخابات "في غضون 6 أشهر" سيجرّ البلاد نحو "الانقسام".
وأوضح عقيلة، أنه طرح خلال جلسة مجلس النواب الأخيرة "تشكيل لجنة لتنفيذ العملية الانتخابية" تتكوّن من مسؤولين بالدولة، مع بقاء الحكومتين دون حلّهما.
من جانبه، أوضح المحامي الليبي عصام التاجوري في رد قانوني وحقوقي على بيان المجلس الأعلى للدولة، أن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، رغم ما يُقال عن كونها إجراءً تنظيميًّا، تظل مسألة تمسّ جوهر العملية الانتخابية، وتنعكس مباشرة على مبدأ استقلال المفوضية وحيادها، وهو مبدأ مستقر دستوريًّا وحقوقيًّا، ومكرّس في المعايير الدولية للانتخابات الحرة.
وأضاف التاجوري أنه "لا يجوز توسيع تفسير الاختصاصات السياسية لأي جسم، مهما كانت صفته، على نحو يؤدي إلى التأثير غير المباشر في مؤسسة يفترض فيها الاستقلال التام عن التجاذبات السياسية".
ويعتقد أن استقلال المفوضية لا يُقاس فقط بنصوص القوانين، بل أيضًا بتوقيت الإجراءات المتخذة بحقها، وبسياقها السياسي، وبأثرها العملي في ثقة الناخبين والأطراف السياسية.
وأردف، أن أي إجراء، ولو كان في ظاهره قانونيًّا، إذا أُنجز في ظرف استقطابي حاد ودون توافق وطني واسع، فإنه يثير شبهة المساس بالحياد، ويُضعف الثقة العامة في المسار الانتخابي، وهو ما يتعارض مع جوهر الحقوق السياسية للمواطنين.