الاتحاد الأوروبي يطالب بـ"وقف فوري لكل العمليات العسكرية" في سوريا
اتجهت التطورات الميدانية في السودان خلال الأيام الأخيرة نحو إعادة ترتيب فعلي لخرائط الاشتباك، في سياق تعكس فيه تحركات قوات الدعم السريع تقدّمًا ملموسًا في إدارة مساحات التأثير العسكري.
وبرز محور الدنكوج–الأبيض بوصفه مركز ثقل متقدّم في إقليم كردفان، مع انتقال السيطرة إلى محيط المدينة وطرقها الحيوية، في وقت يشهد فيه إقليم النيل الأزرق نمطًا متواصلًا من الضغط العسكري والأمني المنظّم.
وتشير هذه الوقائع إلى تغيّر واضح في اتجاه الصراع على الأرض، حيث تفرض قوات الدعم السريع إيقاعها عبر التحكم بالمجال الجغرافي الحيوي وتوسيع هامش المبادرة الميدانية.
ومنحت السيطرة على الدنكوج قوات الدعم السريع موقعًا مؤثرًا داخل شبكة الطرق التي تربط شمال كردفان بوسطها وغربها.
ووفق ما أفاد به مصدر عسكري سوداني لـ"إرم نيوز"، فإن الدنكوج تُستخدم حاليًا كنقطة تثبيت متقدمة، تسمح بالتحكم في حركة الإمداد، ومراقبة المحاور المؤدية إلى الأبيض، وتقييد حركة القوات داخل نطاق جغرافي محدد.
كذلك أشار المصدر إلى أن التحركات الأخيرة تعكس خطة تقوم على إدارة الضغط المحيط بمدينة الأبيض، وليس الدخول في معركة مباشرة داخلها.
الأبيض، كمركز إداري ولوجستي، تتأثر مباشرة بأي تغيير في محيطها القريب، حيث تمثل الطرق التي تمر عبر الدنكوج شرايين إمداد حيوية للقوات المنتشرة داخل المدينة. ما يجعل تعطيل هذه الطرق، انعكاسًا مباشرًا على قدرة قوات بورتسودان على إعادة التموضع والتعزيز.
المصدر العسكري لفت إلى أن "الوضع الحالي يفرض على القوات داخل الأبيض نمط انتشار دفاعي طويل الأمد، مع ارتفاع كلفة الحفاظ على الجاهزية".
المعطيات الميدانية تشير إلى اعتماد الدعم السريع نمط عمليات يعتمد على تثبيت السيطرة في نقاط محددة، وتوسيع نطاق التأثير عبرها، بدل السعي إلى تغيير السيطرة داخل المدن الكبرى.
هذا النمط يخلق واقعًا تراكميًا، تتزايد فيه الضغوط اللوجستية والأمنية على القوات المقابلة مع مرور الوقت.
في هذا السياق، يرى مصدر سياسي سوداني مطلع خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن ما يجري في كردفان يعكس إدراكًا متقدمًا لأهمية التحكم بالمجال الحيوي.
معتبرًا أن التأثير السياسي والعسكري يتحقق عندما تصبح المدن محاطة بوقائع ميدانية جديدة، حتى إن بقيت إداريًا تحت سيطرة الدولة.
ويضيف أن "هذا المسار يؤثر على الحسابات السياسية والعسكرية معًا، لأنه يعيد تعريف معنى السيطرة".
في إقليم النيل الأزرق، لا تظهر مؤشرات على سعيٍ لتغيير السيطرة في العواصم الإقليمية، بقدر ما تظهر وتيرة متصاعدة من العمليات التي تستهدف إبقاء الإقليم في حالة استنفار دائم من قبل قوات الدعم السريع وحلفائها.
التحركات القريبة من منشآت حيوية، واستخدام الطائرات المسيّرة، والضغط على المحاور الحدودية، كلها عناصر تشير إلى إدارة جبهة طويلة النفس، بحسب ما أفادت به مصادر عسكرية سودانية.
كما تصف المصادر المشهد هناك بأنه "حالة استنزاف مستمرة، تُفرض عبر عمليات محدودة التأثير المباشر، لكنها عالية الكلفة من حيث الجهد والانتشار لقوات بورتسودان".
وتؤكد المصادر أن هذه الجبهة تجبر قيادة بورتسودان على توزيع مواردها على نطاق واسع، ما يقلل من مرونتها في التعامل مع تطورات كردفان.
من زاوية إقليمية، يلفت مصدر دبلوماسي إفريقي يعمل ضمن مسار المتابعة الأفريقية للأزمة السودانية إلى أن التحركات الأخيرة للدعم السريع تُقرأ في الإطار الأفريقي كتحول نحو إدارة الصراع بأسلوب مختلف.
المصدر، يرى خلال حديث لـ"إرم نيوز" أن هذا المسار يعكس قدرة على قراءة الجغرافيا السياسية والعسكرية للسودان، واستخدامها لإعادة التوازن داخل المشهد.
ويضيف أن هذه التطورات تأتي باعتبارها جزءًا من واقع جديد يتطلب مقاربة سياسية مختلفة، تأخذ في الحسبان القوى الفاعلة على الأرض.
التقاطع بين ما يجري في كردفان والنيل الأزرق يضع الصراع السوداني أمام مرحلة تتسم بإعادة تموضع واضحة، فالسيطرة على نقاط مفصلية، وإدارة جبهات ضغط متعددة، وتثبيت واقع ميداني متدرج، كلها عناصر تعيد رسم خريطة التأثير العسكري والسياسي في البلاد.
المصادر العسكرية والسياسية تتفق على أن المرحلة الحالية تحمل وزنًا يتجاوز بعدها الزمني المباشر، وما يُرسَّخ اليوم على الأرض يحدد سقف الخيارات في المرحلة المقبلة، سواء على مستوى العمليات أو على مستوى أي مسارات سياسية محتملة.
في هذا الإطار، تبدو التحركات الجارية جزءًا من مسار طويل، تُعاد فيه صياغة موازين الفعل والنفوذ داخل السودان، بهدوء محسوب، وبكلفة مدروسة.
من جانبه يرى الباحث الفرنسي المتخصص في الشأن السوادني والنزاعات الإفريقية، جيروم توبيانا، أن التحركات الأخيرة لقوات الدعم السريع تعبّر عن نضج عملي في فهم الجغرافيا السياسية السودانية، وتحديدًا في التعامل مع المساحات الوسطى التي طالما شكّلت نقطة ضعف في إدارة الدولة السودانية للنزاعات.
من وجهة نظره، فإن ما يحدث في محيط الأبيض يأتي كإعادة ضبط لمعادلة النفوذ داخل السودان، حيث تصبح السيطرة على المسارات والربط الجغرافي أكثر أهمية من السيطرة الرمزية على المدن.
ويعتبر توبيانا خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن الدعم السريع يقدّم نموذجًا مألوفًا في الحروب الأفريقية المعاصرة، يقوم على تفكيك المجال الحيوي للدولة تدريجيًا، وتحويل المراكز الحضرية إلى وحدات معزولة سياسيًا وعسكريًا، حتى وإن بقيت خارج السيطرة المباشرة.
هذا النمط، بحسب تحليله، يراكم تأثيره مع الوقت، ويعيد إنتاج ميزان القوة على نحو ينعكس بوضوح في قدرة الأطراف على الحركة والتمويل والحشد.
وفي قراءته للنيل الأزرق، يشير توبيانا إلى أن فتح جبهة ضغط منخفض الوتيرة في إقليم حساس كهذا يحمل بعدًا إقليميًا ضمنيًا، ويعكس إدراكًا بأن الصراع السوداني بات مرتبطًا بشبكات حدودية ومسارات نفوذ أوسع.
من هذا المنطلق، يرى أن تحركات الدعم السريع تتقدّم بخطوات محسوبة، وتؤسس لواقع تفاوضي مختلف في أي مرحلة سياسية لاحقة.
بدوره، اعتبر المحلل السياسي السوداني، محمد الفاتح يوسف، أن ما يجري في كردفان يعكس تحوّلًا في العلاقة بين القوة المسلحة والمجتمع المحلي، حيث تسعى قوات الدعم السريع إلى تثبيت حضورها في محيط المدن بدل الدخول في مواجهات مفتوحة داخلها، ما يقلّل الاحتكاك المباشر ويمنحها هامش حركة أوسع في الريف والمناطق الطرفية.
يوسف رأى خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن هذا الأسلوب يخلق واقعًا جديدًا داخل المجتمعات المحلية، حيث تبدأ مراكز القرار الفعلية بالانتقال خارج المدن، ويتراجع دور مؤسسات بورتسودان تدريجيًا لصالح قوى تملك القدرة على فرض الأمن والتحكم بالحركة.
هذا التحول، وفق تقديره، ينعكس سياسيًا أكثر مما ينعكس عسكريًا، لأنه يغيّر طبيعة السلطة على الأرض.
وفي ما يخص النيل الأزرق، يربط يوسف بين الضغط العسكري هناك وبين إعادة ترتيب الأولويات داخل القيادة العسكرية لسلطة بورتسودان.
ويشير إلى أن إبقاء الإقليم في حالة توتر دائم يستنزف القدرة على التركيز في جبهات أخرى، ويخلق شعورًا بعدم الاستقرار طويل الأمد. من وجهة نظره، هذه الدينامية تمنح الدعم السريع مساحة إضافية للمناورة السياسية مستقبلًا.