لم تكن بداية العام الجديد في السودان إلا امتداداً للعام الثقيل الذي سبق، فقد تصاعدت الاشتباكات في محاور متعددة من إقليم كردفان، مع تبادل متسارع للسيطرة على مواقع بين قوات بورتسودان وقوات الدعم السريع التي باتت تفرض واقعاً جديداً، بمنطق التموضع الفعلي.
وعلى الرغم من إعلان القيادة العسكرية في بورتسودان عن "استعادة" مواقع استراتيجية غرب مدينة الأبيض وجنوبها، فإن الوقائع على الأرض جاءت متضاربة، وسط حالة من الانسحاب السريع وإعادة التموضع القسري التي عكست هشاشة الأداء العملياتي لتلك القوات، مقارنة بمرونة وحدات الدعم السريع وانتشارها الأفقي في عمق كردفان.
مع مطلع ديسمبر كانون الثاني، أعلنت وسائل إعلام مقربة من قوات بورتسودان أن الأخيرة استعادت السيطرة على منطقة الرّيّاش غرب الأبيض، وتقدمت باتجاه محور الدبيبات جنوباً، غير أن مصادر ميدانية مستقلة، وأخرى محلية في الإقليم، أكدت أن تلك "السيطرة" لم تتجاوز الساعات، وأن قوات بورتسودان انسحبت لاحقاً من المنطقة بعد مقاومة شديدة من وحدات الدعم السريع.
مصدر عسكري ميداني في قوات الدعم السريع، أكّد لـ"إرم نيوز" أن قوات البرهان حاولت تنفيذ عملية خاطفة في الرياش والدبيبات مستندةً إلى إسناد مدفعي جوي، لكنها فوجئت بكمين تكتيكي في محور كازقيل، أدى إلى تراجع سريع وخسائر في العتاد والتمركز.
وتابع: "قوات البرهان استخدمت إسناداً مدفعياً من راجمات غراد متمركزة جنوب غرب بارا، إلى جانب تغطية جوية بطائرات بيرقدار استُقدمت من محور بورتسودان عبر مطار كوستي العسكري. العملية كانت مصممة لتحقيق اختراق سريع في محور الرياش عبر ثلاث مجموعات، لكنّ التنسيق كان ضعيفاً جداً، مما أدى إلى تشتت القوات وفقدانها عنصر المباغتة".
وأضاف المصدر أن "ما حدث ليس إلا تكراراً لنمط معروف منذ شهور؛ يتمثل في تقدم مفاجئ ومحدود لقوات البرهان في نقطة، ثم إعلان سريع عن نصر، وبعدها انسحاب سريع بعد انكشاف محدودية التمركز، بينما تبقى السيطرة الفعلية في يد القوات المنتشرة أفقياً".
ولفت إلى أن قوات الدعم السريع كانت قد رصدت التحركات قبل 48 ساعة عبر عناصر الاستطلاع المحلي، وتم نشر وحدات هندسية صغيرة وكمائن قنص على ثلاث نقاط عبور.
وزاد بالقول: "ما حدث كان عملية استنزاف محسوبة، وانسحبوا بعد أقل من خمس ساعات".
وأكد المصدر أن قوات بورتسودان خسرت خلال هذه المحاولة ثلاث نقاط تمركز كانت قد أنشأتها خلال نوفمبر قرب الدبيبات، نتيجة انسحاب وحدات الدعم السريع منها بشكل تكتيكي مؤقت قبل أن تعود وتحاصرها من ثلاث جهات.
وختم المصدر العسكري بالقول إن قوات الدعم السريع تعتبر هذه العملية بمثابة اختبار ميداني لبنية الخصم، مؤكداً أن الإقليم بات بالكامل خارج قدرة بورتسودان على إدارة المعركة أو حتى فهم تضاريسها المتحركة.
وأفاد مصدر سياسي سوداني، عمل سابقاً ضمن الجهاز التنفيذي الانتقالي، بأن ما يحدث في كردفان يكشف عن مشكلة بنيوية عميقة في بنية القيادة المركزية لقوات بورتسودان.
وقال في تصريح خاص لـ"إرم نيوز": "سلطة بورتسودان لم تعد تملك أدوات التثبيت الميداني، لا من حيث الإمداد ولا من حيث الحاضنة المحلية. وهي تقاتل اليوم بمنطق الخريطة لا بمنطق الجغرافيا الاجتماعية".
وتابع: "ثمة أزمة تتعلق بخطاب عسكري تقليدي من قبل بورتسودان ينتمي لزمن الدولة المركزية، في مواجهة خصم بات يفهم كيف تشتبك السلطة مع الجغرافيا والسكان. الدعم السريع يتموضع اليوم ضمن شبكات محلية، وهذا ما تعجز قوات بورتسودان عن مجاراته".
بعيداً عن التقييمات السياسية، فإن التماسك الميداني الذي تظهره قوات الدعم السريع في مناطق جنوب كردفان، وفي محاور النيل الأبيض، يعكس تطوراً نوعياً في طبيعة انتشارها. فهي باتت تُحكم القبضة على مساحات واسعة من القرى والممرات اللوجستية، وتبني قواعد دعم خفيفة على تخوم المدن.
وتبدو هذه الاستراتيجية ناجعة وفق المصدر السياسي في مواجهة قوات بورتسودان التي تعاني من خطوط إمداد متقطعة، وشبكات قيادة مفككة.
الواقع أن ما جرى علامة على تحولات أوسع في موازين القوة داخل كردفان، فما تعجز سلطة بورتسودان عن تثبيته في الإقليم، لا يمكن تعويضه بالتصريحات، خاصة أن الأرض في السودان باتت هي مصدر الشرعية الفعلية.
والأسوأ من ذلك، بحسب المصدر السياسي نفسه، أن "هذا النمط من الحركات العسكرية الاستعراضية من جانب بورتسودان يُضعف ما تبقّى من صورة لقوات البرهان".
من ناحيته يرى الباحث السياسي السوداني ياسر الطيب محمود، خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن ما جرى في كردفان هو إخفاق سياسي–عملياتي مركّب لسلطة بورتسودان في إدارة إطار معقّد لم تعد تتحكم بمفاصله.
وبحسب قراءته، فإن قوات بورتسودان بقيادة عبد الفتاح البرهان ما زالت تتعامل مع كردفان باعتبارها "حيزاً عسكرياً" يمكن استعادته، في حين أن الإقليم تحوّل فعلياً إلى بنية نفوذ محلية متشابكة، تتقدّم فيها القدرة على إدارة العلاقات القبلية والاقتصادات الصغيرة.
ويشير الطيب محمود إلى أن الإشكال لدى بورتسودان لا يكمن في نقص العتاد أو الكفاءة القتالية بقدر ما يكمن في غياب استراتيجية تثبيت طويلة الأمد. فالتحركات السريعة التي تُعلن كـ"تقدم" تنتهي غالبًا إلى انسحاب لأن قوات البرهان لا تملك أدوات الاستقرار.
في المقابل، فإن قوات الدعم السريع نجحت في استثمار هذا الفراغ عبر تموضع مرن يراكم النفوذ بدل البحث عن حسم سريع.
ويخلص إلى أن كردفان باتت تكشف حدود المشروع الذي يقوده البرهان: "مشروع يستند إلى شرعية زائفة لم تعد قادرة على إنتاج سلطة فعلية خارج نقاط الانتشار المؤقت".
من هذا المنظور، فإن ما يجري يعتبر مؤشراً على تصدّع بنيوي في قدرة بورتسودان على إدارة حرب طويلة الأمد متعددة المستويات.
بدوره، قال الباحث الأمريكي المتخصص في الشؤون الإفريقية، توماس ريفز، في حديثه لـ"إرم نيوز"، إن تطورات كردفان تكشف عن تحوّل طبيعة الحرب في السودان من صراع بين مؤسسات عسكرية إلى مواجهة بين نموذجين للسيطرة.
وأوضح: "النموذج الأول، الذي تمثّله سلطة بورتسودان، يعتمد على منطق هش من خلال أوامر عمودية، ومحاولات استعادة السيادة عبر السيطرة الرمزية أو المحدودة على المناطق أو الطرق. أما النموذج الثاني، الذي تتقنه قوات الدعم السريع، فيقوم على تفكيك الجغرافيا إلى وحدات نفوذ صغيرة يمكن إدارتها وتأمينها بمرونة عالية".
بحسب ريفز، فإن خطورة ما جرى في كردفان تكمن في الرسالة الاستراتيجية التي يبعثها الحدث إلى الداخل والخارج: "سلطة بورتسودان لم تعد قادرة على فرض إيقاع المعركة، إنما باتت تتفاعل مع مبادرات الدعم السريع".
هذا التحول، برأيه، يُضعف موقف بورتسودان سياسياً، لأنه يجعل أي حديث عن "استعادة الدولة" منفصلًا عن الوقائع العملياتية التي يراقبها الفاعلون الإقليميون والدوليون بدقة.
واعتبر أن تطورات كردفان قد تتحول إلى نقطة مرجعية لإعادة تعريف من يملك القدرة الفعلية على إدارة أجزاء واسعة من السودان.