logo
العالم العربي

بعد العقاب الأمريكي.. ما حدود الصراع بين البرهان و"إخوان السودان"؟

عبد الفتاح البرهانالمصدر: (أ ف ب)

يضع القرار الأمريكي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية، سلطات بورتسودان أمام واقع سياسي معقد، يبعث على تساؤلات حول مدى قدرة الفريق عبد الفتاح البرهان على فك ارتباطه والمؤسسة العسكرية من الحركة الإسلامية، أو المضي في طريق يفاقم عزلة السودان ويعقّد مسار السلام. 

ويرى مسؤولون سودانيون أن العلاقة العضوية التي تجمع البرهان وقواته مع الجماعة، علاقة عضوية تمتد لعقود، ومن الصعب فك الارتباط بشكل سريع، ولا سيما أن أي محاولة منه قد تهدد حياته بشكل مباشر، فضلًا عن إصرار الجماعة عبر كتائبها المدربة من قبل الحرس الثوري الإيراني، على وقف إطلاق النار لضمان الاستحواذ على السلطة.

أخبار ذات علاقة

معبر  أدري على الحدود التشادية السودانية

خبراء: قرار تشاد غلق الحدود يعري استراتيجية بورتسودان لتصدير الأزمات

في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو خيارات البرهان محدودة إذا لم تكن معدومة، خصوصًا أن استمراره في تقديم الدعم للتنظيم سيحمل مخاطر داخلية كبيرة، إلى جانب عزلة دولية وتخلي حلفاء اليوم عنه بسبب تغلغل الجماعة في كل مؤسسات الدولة الإدارية والعسكرية والأمنية.

مستقبل البرهان على المحك

وفي هذا السياق، قال الناطق الرسمي باسم تحالف السودان التأسيسي، علاء الدين نقد إن عبدالفتاح البرهان لا يستطيع التخلي عن الإخوان، ليس فقط لأنه عضو في هذا التنظيم، كما أشار سابقًا عضو التنظيم وحزب المؤتمر الوطني المحلول، القيادي البارز أمين حسن عمر، خلال الفترة الانتقالية، عندما قال إن البرهان نفسه عضو في المؤتمر الوطني المحلول وكان رئيسًا للتنظيم في محلية نيرتي.

وأضاف نقد لـ"إرم نيوز" أن البرهان إذا حاول التخلي عن الإخوان فقد يتعرّض للاغتيال بشكل مباشر، وهو ما تمت الإشارة إليه عقب تصريحات المبعوث الأمريكي، مسعد بولس عندما عرضت الرباعية ورقتها، وقال مسعد بولس: إن "لا مستقبل للإخوان ولا التنظيم المحلول في السودان"، وفي هذا الإطار، إذا ضمن بولس موافقة البرهان على وقف الحرب "وهو أمر مستبعد" فعليه توفير أمرين أساسيين.

وأوضح نقد أنه في حال قبول البرهان خيار وقف الحرب، يجب على بولس توفير حماية شخصية له، لأنه في هذه الحالة قد يتعرَّض للقتل، والأمر الثاني، فتثمل في توفير فرقة عسكرية لمواجهة الكتائب المتشددة مثل كتيبة البراء بن مالك والقوات المشتركة، لأنها لن توقف إطلاق النار، لافتًا إلى أن هذا ما أشار إليه جبريل إبراهيم ومناوي وغيرهما، عندما اجتمعوا مع ياسر العطا ورفضوا مبادرة الرباعية، مؤكدين عدم وقف إطلاق النار لضمان بقائهم في السلطة.

الإخوان وإخفاء الهوية

ومن جانبه، قال المتحدث باسم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة في السودان "صمود"، بكري الجاك إن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية يمثل قرارًا تاريخيًّا ومفصليًّا، مشيرًا إلى أن هذه الجماعة تعرقل مسار السلام وأصبحت مصدرًا للإرهاب، وتعرف باسم "حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية" التابعة له، والتي تمتلك العديد من الواجهات السياسية المتمثلة في تحالفات وكيانات تحاول أن تخفي حقيقتها.

أخبار ذات علاقة

مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

بولس: الحرس الثوري درّب مقاتلين تابعين لـ"الإخوان" في السودان

وأضاف الجاك لـ"إرم نيوز" أن من المهم محاسبة الجهة التي تعرقل مسار السلام، وهي ذاتها التي لعبت دورًا مهمًّا في تعطيل المرحلة الانتقالية وإفشال مرحلة الانتقال السياسي بين حكومة الدكتور عبد الله حمدوك، وصولًا إلى تنفيذ انقلاب الـ25 من تشرين الأول/ أكتوبر 2021 ومن ثم إشعال الحرب، مشيرًا إلى أنها الجهة نفسها التي ترفض الذهاب إلى السلام.

ولفت إلى أن أهمية القرار تكمن في أنه ذكر ميليشيا البراء بن مالك، غير أن الحركة الإسلامية تمتلك أكثر من ست ميليشيات، إضافة إلى ما يسمى بالمقاومة الشعبية في السودان تحت ذريعة قتال قوات الدعم السريع، بينما يؤكد أن معظم هذه التشكيلات تم تجنيدها عبر مشروع الحركة الإسلامية المتخفي تحت غطاء المقاومة الشعبية.

تعقيدات المشهد

وأوضح الجاك أن هذا القرار يمكن أن يكون له مردود إيجابي، لكنه في الوقت نفسه سيعقد المشهد بالنسبة للدول المتعاملة مع سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، والتي أصبحت مطالبة بالفصل إذا أرادت التعامل مع مؤسسات الدولة، لأنها في الواقع تتعامل مع مجموعة يشملها هذا القرار، باعتبار أنهم يسيطرون على أجهزة الدولة والمؤسسات الأمنية.

واعتبر الجاك أن التحدي الحقيقي يتمثل في مدى قدرة البرهان على اتخاذ خطوات جادة لإبعاد القوات المسلحة عن الحركة الإسلامية، مشيرًا إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن البرهان نفسه كان جزءًا من هذه الحركة، وربما يدرك أن مصالحه لا تتطابق معها، خصوصًا إذا كان يفكر في الحكم ويحتاج إلى قبول دولي، إلا أن فصل هذه الجماعة المتطرفة سيواجه تعقيدات كبيرة.

ولفت إلى أن هذا الانفصال، إنْ حدث، قد يقود إلى ضغوط تدفع القوات المسلحة إلى الابتعاد عن هذه الجماعة، وهو ما قد يسهم في إنهاء الحرب، مضيفًا أن الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت الحركة الإسلامية ستتعلم من تجارب الماضي وتتخلى عن العنف وتتجه نحو السلام إذا أرادت ذلك.

واختتم الجاك حديثه بالقول إنه في حال أصرت الحركة على نهجها المتطرف، فمن المرجح أن تواصل التصعيد وتبعد السودان عن مسار السلام، مشيرًا إلى أن الأمر مرتبط بالتطورات لتتضح الرؤية في الأيام القادمة.

مخطط الحرب.. صناعة إخوانية

وبدوره، قال وزير الإعلام السوداني السابق، حمزة بلول إن القرار الأمريكي شكّل ضغطًا كبيرًا على حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، بسبب سيطرة الجماعة على مفاصل القرار السياسي والعسكري والأمني في المناطق التي تديرها قوات بورتسودان.

وأضاف بلول لـ"إرم نيوز" أن الحرب الحالية تعد جزءًا من مخطط الجماعة الإسلامية للعودة إلى السلطة بعد أن أطاح بها الشعب السوداني في ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2018، مشيرًا إلى أن الجماعة تمكنت عبر أذرعها داخل القوات المسلحة من إطلاق الطلقة الأولى للحرب، والسيطرة على مراكز القرار، كما أفشلت كل المحاولات الدولية لوقفها عبر دفع القيادة العسكرية إلى التملص من التزاماتها تجاه المجتمع الدولي.

وأوضح بلول أن البرهان لن يستطيع التخلص من نفوذ الإخوان، كما أنه لا يرغب أساسًا في إبعادهم عن المشهد، معتبرًا أن قرار واشنطن بتصنيف الجماعة جاء في بصياغة حذرة أشبه باحتيال لغوي، تجنبًا لذكر الأمر بشكل مباشر.  

وأشار إلى أن البرهان لن يتمكن من مواجهة نفوذ كتائب البراء، التي ورد ذكرها في التصنيف الأمريكي كمجموعة تتلقى التدريب على يد الحرس الثوري الإيراني، لافتًا إلى أن أمير الكتائب الاسلامية المقاتلة مع قوات بورتسودان صرّح قبل أيام باستعدادهم للذهاب إلى إيران للقتال ضد أمريكا وإسرائيل.

نفوذ متجذر

وتابع بلول، أن البرهان خرج متوعدًا بحسم هذه المجموعة وأكد بيان رسمي بدء إجراءات القبض عليهم، غير أنه بعد يومين ظهر الشخص ذاته المؤيد لإيران في تسجيل مصور نُشر لإحراج البرهان وإظهار حجم النفوذ على الأرض، وكذلك لإيصال رسالة للداخل والخارج بأن القرار في مناطق سيطرة قوات بورتسودان يخضع لنفوذ جماعة الإخوان.

أخبار ذات علاقة

تعبيرية

غموض التمويل.. شبح "الإخوان" يلاحق مشروع مسجد في فرنسا

واختتم بلول حديثه بالإشارة إلى أن التصنيف الأمريكي لجماعة الإخوان وطبيعة تعامل القيادة العسكرية معه قد يدفع المجتمع الدولي إلى إدراك ما ظلت القوى المدنية تؤكده منذ فترة، وهو أن البرهان خاضع بشكل كبير لنفوذ الجماعة المرتبطة مع حكومة الملالي في طهران.

عسكرة الفضاء العام

ومن جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي محمد المختار محمد إن البرهان، الذي عجز عن إيقاف الحرب والدخول في هدنة إنسانية لوقف المأساة الإنسانية، لن يتمكن من التخلي عن جماعة الإخوان التي تسيطر على قوات بورتسودان نتيجة لسياسات التمكين التي استمرت لعقود، وجعلت العلاقة بين القوات والإخوان علاقة عضوية يصعب فك ارتباطها.

وأضاف محمد لـ"إرم نيوز" أن تصنيف واشنطن لإخوان السودان كمنظمة إرهابية عالمية غيّر طبيعية الصراع في السودان من صراع داخلي إلى صراع مع جماعة تمثل تهديداً إقليمياً ودولياً عابراً للحدود، معتبرًا أن البرهان لن يستطيع التخلي عن الإخوان لأنه لا يملك الإرادة ولا القرار ولا حتى الإمكانية.

وأوضح محمد أنه بعد ثلاث سنوات من الحرب، عملت الحركة على عسكرة الفضاء العام، وشكلت عددًا من الميليشيات والكتائب الجهادية، إلى جانب كتيبة البراء والبرق الخاطف ولواء الفرقان وهي كتائب نوعية تلقت تدريبات عسكرية نوعية على يد الحرس الثوري الإيراني، وتتكون من عناصر عقائدية شديدة الولاء للجماعة وتسيطر على أسلحة نوعية وطائرات مسيرة، ما يجعل من الصعب على البرهان التخلص منها. 

أخبار ذات علاقة

محمد حمدان دقلو

حميدتي يرحب بتصنيف "الإخوان المسلمين" في السودان تنظيماً إرهابياً

وأشار  الكاتب والمحلل السياسي إلى أن القرار الأمريكي سيسهم في محاصرة الجماعة التي أشعلت الحرب وترفض وقفها، ويرفع من كلفة الدعم الخارجي الذي تتلقاه من بعض الدول، التي تمارس أدوارًا مزدوجة في الأزمة السودانية.

وخلص إلى أن القرار الأمريكي سيقلل هامش المناورة أمام البرهان ويضعه أمام خيارات محدودة جدًّا، وإما أن يقبض على رموز الإخوان الذين يديرون الحرب فعليًّا أو يجد نفسه في وضع سياسي وعسكري متدهور قد ينتهي بالإطاحة به.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC