في خطوة تعكس تصاعد المخاوف من انتقال ارتدادات الحرب في السودان خارج الحدود، أعلنت تشاد إغلاق حدودها، وسط إطلاق جرس إنذار من أن تنزلق الأوضاع نحو توترات إقليمية أوسع.
ويرى سياسيون أن قرار نجامينا جاء نتيجة تراكمات حوادث حدودية متكررة رفعت مستوى القلق داخل تشاد، بالتوازي مع اعتبارات سياسية داخلية، الأمر الذي قد يفتح مخاطر استراتيجية أوسع، في وقت أكدت الحكومة التشادية احتفاظها بحق الرد لا سيما في ظل التنافس القائم على النفوذ في منطقة الساحل.
ووفق هذا المشهد، حمل الإغلاق بين طياته رسالة أمنية وسياسية واضحة، مفادها أن أمن الحدود وحماية السيادة ومنع تمدد الصراع أولوية قصوى، في وقت تسعى حكومة بورتسودان إلى تصدير أزماتها مع تزايد الضغوطات عليها.
تدحرج كرة النار
وفي هذا السياق، قال مساعد رئيس حزب الأمة القومي السوداني، عروة الصادق إن قرار تشاد إغلاق حدودها يعد إعلاناً مبكراً عن شعور نجامينا بأن النار المشتعلة داخل السودان تقترب من التحول إلى حريق إقليمي مفتوح.
وأشار إلى أن ارتفاع احتمالات التوغلات والاختراقات أوصلها إلى اعتبار الوضع تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
وأضاف الصادق لـ "إرم نيوز" أن بيان الحكومة التشادية ربط الإغلاق بتوغلات متكررة وانتهاكات من الجانب السوداني، مؤكداً أن الهدف هو منع امتداد النزاع إلى الداخل التشادي، مع الاحتفاظ بحق الرد على أي اعتداء جديد أو مساس بأمن الحدود.
واعتبر أن القرار حمل إنذاراً أمنياً وسياسياً إلى الفاعلين في الخرطوم، وإلى الشارع التشادي المعارض، وكذلك إلى الشركاء الدوليين الذين ينظرون إلى تشاد باعتبارها عمقاً استراتيجياً في منطقة الساحل والصحراء.
رسائل نجامينا
وأشار إلى أن تراكم الحوادث الأمنية حول الحدود، من وجهة نظر نجامينا، إلى ساحة مفتوحة قد تجر تشاد إلى قلب الحرب، وهو ما يرفع مستوى المخاوف ويعزز تقديرات أمنية أكثر تشدداً.
ورأى الصادق أن قرار الإغلاق يرتبط بالسياق الداخلي، إذ يواجه الرئيس محمد إدريس ديبي موجة اعتراضات متنامية بعد انتخابات مطعون في نزاهتها، وأحكام قاسية بحق معارضين، واتهامات بترسيخ حكم طويل الأمد تحت شعار الاستقرار.
ولفت إلى أن أي امتداد للفوضى السودانية إلى الداخل التشادي يمثل تهديداً حدودياً وسياسياً يمكن أن يستثمره خصوم ديبي لإظهار السلطة عاجزة عن ضبط الحدود، ما يجعل القرار رسالة طمأنة داخلية تؤكد أن الدولة لا تزال تمسك بمفاصل الأمن، فضلاً عن منع مجموعات قبلية تشادية من الانخراط في استنفار قبلي لمساندة بعض الحركات المسلحة.
وأوضح الصادق أن القرار يتزامن في السودان مع نمط ثابت لتحالف المال والتنظيم الإخواني وقادة سلطة انقلاب أكتوبر.
واعتبر أن هذا التحالف يستخدم الحدود كأداة سياسية وأمنية عبر إتاحة الحركة لشبكات التهريب أو السماح بتحركات مسلحة بالاقتراب من دول الجوار، إلى جانب توظيف خطاب اتهام للخارج لصرف الأنظار عن مسؤولية البنية الداخلية في استمرار الصراع.
ولفت إلى أن هذا النمط يقوم على تصدير الأزمات إلى الإقليم كلما اشتدت الضغوط الداخلية.
وقال إن عبد الفتاح البرهان يتعامل مع الحدود التشادية كأحد ميادين الخطاب السياسي، فيوجه الاتهامات إلى أطراف خارجية، بينما يدرك أن قرار الحرب مرتبط بتحالف شبكات المال والحركة الإسلامية وشركاء الانقلاب الذين يدفعون نحو عسكرة المشهد وتعطيل أي مسار سياسي جامع.
وأكد الصادق أن تكرار الحوادث الأمنية ينطوي على مخاطر استراتيجية واسعة، خاصة بعد تأكيد تشاد احتفاظها بحق الرد على أي اعتداء إضافي ووجود غليان سياسي داخلي وتنافس إقليمي على النفوذ في منطقة الساحل.
واعتبر أن أي اشتباك حدودي قد يتحول إلى أزمة أوسع تشمل حضوراً دولياً أكبر أو توسعًا في التدخلات عبر حدود السودان وتشاد، بما قد يقود لأقلمة الصراع.
تصدير الأزمة
ولفت إلى أن قرار تشاد يتضمن رسالة بأن الحرب السودانية تجاوزت حدودها الطبيعية، وأن اعتماد بورتسودان على سياسة "تصدير الأزمة" خلق تهديداً مباشراً لدول الجوار، وسيستثمر تحالف قادة الحرب في بورتسودان هذا المشهد لشراء الوقت عبر تعليق الأخطاء على الخارج، بينما تكمن جذور الأزمة في بنية القرار الداخلي وشبكات النفوذ التي تستفيد من استمرار الحرب.
مخالفة القانون الدولي
من جانبه قال الناطق الرسمي باسم القوى المدنية المتحدة قمم في السودان، عثمان عبدالرحمن سليمان إن إغلاق الحدود يعد إجراءً سيادياً مشروعاً تكفله القوانين والأعراف الدولية لكل دولة تسعى إلى حماية أمنها القومي وصون سلامة أراضيها.
وأضاف سليمان لـ "إرم نيوز" أنه في ظل تقارير متكررة عن توغلات وانتهاكات داخل الأراضي التشادية، يحق للحكومة التشادية اتخاذ تدابير احترازية، خصوصاً إذا لم تلتزم بعض القوات المنتمية إلى سلطات بورتسودان بالمواثيق الدولية التي تنص على احترام سيادة الدول وعدم أو نقل النزاعات إلى أراضي الجوار.
وأشار إلى أن حماية الحدود ومنع امتداد النزاع تمثل أولوية لأي دولة مسؤولة، مؤكداً أن مشروعية هذا القرار ينبغي أن تدار بمرونة تراعي الأوضاع الإنسانية والاقتصادية لسكان المناطق الحدودية الذين تجمعهم روابط اجتماعية وتجارية عابرة للحدود.
واختتم سليمان حديثه بالتشديد على أن تحقيق التوازن بين مقتضيات الأمن القومي والاعتبارات الإنسانية يظل الخيار الأمثل لتفادي تعقيد الأزمة أو الإضرار بالنسيج الاجتماعي والاقتصادي بين البلدين.