تعكس زيارة المجلس الرئاسي السوداني إلى العاصمة الأوغندية كامبالا، تحولاً في مقاربة الأزمة السودانية، إذ تُقدّم بوصفها خطوة تمهد لفتح مسار سياسي نحو حل الأزمة انطلاقاً من البوابة الإفريقية، عبر ترسيخ حضور دبلوماسي فاعل، أبرز دور حكومة السلام الفاعل كجهة تفاوض رسمية.
ويرى ساسيون أن تصريحات قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، سلطت الضوء على التدخلات الإقليمية، وإسهامها في تأجيج الصراع وتعقيد المشهد، فيما ينطلق الحل من القارة الإفريقية بالدرجة الأولى، مع التشديد على أن السودان ليس ساحة لتصفية الحسابات السياسية الإقليمية.
وضمن هذا الإطار، تبدو الزيارة أنها بداية مسار سيتوسع ليشمل تحالفات أفريقية أوسع، بما يفتح آفاقاً أمام حكومة تأسيس من جهة، والحصول على الشرعية السياسية من جهة أخرى، خاصة داخل مؤسسات القارة.
وفي هذا السياق، قال مستشار قائد قوات الدعم السريع، يعقوب عبد الكريم النورين، إن زيارة المجلس الرئاسي إلى أوغندا جاءت تلبية لدعوة رسمية من الرئيس الأوغندي يوري موسفيني، بهدف بحث الحوار والحل السلمي للأزمة السودانية، إضافة إلى مناقشة أوضاع اللاجئين السودانيين في أوغندا.
واعتبر النورين، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن الزيارة حققت أهدافها، وأثمرت عن مكاسب سياسية، وفتحت آفاقاً واسعة أمام حكومة تأسيس على المستوى الإقليمي.
وأضاف النورين أن الزيارة بعثت برسالة واضحة مفادها أن حكومة "تأسيس" منفتحة على العالم وعلى محيطها الإقليمي، وأن السودان جزء لا يتجزأ من أفريقيا التي تمثل عمقه الإستراتيجي، مؤكداً أهمية دول الإقليم بالنسبة له، ومتوقعاً أن تعقب هذه الزيارة تحركات دبلوماسية أخرى خلال المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن حكومة السلام حققت نصراً سياسياً، تزامن مع تطورات ميدانية تمثلت في إعلان قوات الدعم السريع فرض السيطرة الكاملة على منطقة الطينة الحدودية الإستراتيجية مع تشاد، والتي تعد آخر معاقل القوات الرديفة لقوات بورتسودان.
وتطرق النورين إلى تصريحات قائد قوات الدعم السريع، معتبراً أنها حملت رسائل مباشرة إلى الدول الإقليمية وحددت طبيعة التدخلات التي لم تُفضِ إلى شيء، بل ساهمت في تأجيج الصراع وتعميق الانقسام، مشدداً على أن السودان جزء من المحيطين العربي الإسلامي، غير أن حل الأزمة ينطلق من الإطار الأفريقي.
وأوضح النورين أن الدول التي لا ترغب في دعم استقرار السودان عليها التركيز في شؤونها الداخلية، مؤكداً أن البلاد ليست ساحة لتصفية الحسابات السياسية الإقليمية، محذراً من مخاطر الاستمرار في تأجيج الصراع، لأن السودان يتحرك من منطلق الأخوة العربية والإسلامية، ومن حقه أن ينعم بالسلام والاستقرار.
واختتم النورين حديثه بالتأكيد على أن حكومة السلام تمتلك القدرة على تحقيق السلام، وإعادة السودان إلى موقعه الطبيعي داخل الإقليم وضمن فضائه العربي.
ومن جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي، عمار سعيد، إن زيارة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، إلى كمبالا، تمثل خطوة محسوبة في قلب معركة إقليمية تدور حول تمثيل السودان سياسياً داخل الفضاء الأفريقي، وآليات استعادة الشرعية خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف سعيد، لـ"إرم نيوز"، أن اختيار كمبالا لم يكن اعتباطياً، نظراً لما تمثله من عقدة توازن في منظومة شرق أفريقيا والبحيرات العظمى، فضلاً عن أن أوغندا، بحكم موقعها داخل الهيئة الحكومية للتنمية "إيغاد"، تعد إحدى الدوائر المؤثرة في أي مقاربة أفريقية للحرب السودانية، بما يعكس توجهاً نحو العمق الأفريقي، بدلاً الاكتفاء بالمسارات العربية أو الدولية.
وأوضح سعيد أن الزيارة جاءت في لحظة حساسة يتقاطع فيها استمرار تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي مع مواقف مجلس السلم والأمن الأفريقي الرافضة للتعامل مع كيانات موازية، معتبراً أنها محاولة لتثبيت حضور دبلوماسي في الإقليم قبل حسم معركة التعريف القانوني والسياسي للسلطة في السودان.
وأشار إلى أن تشكيل الوفد، الذي ضم شخصيات تمثل أقاليم دارفور والشرق إلى جانب رئيس وزراء ووزراء سياديين، حمل رسالة واضحة بتقديم صورة بنية دولة لا صورة تحالف عسكري، عبر إبراز هياكل تنفيذية وتمثيل إقليمي وملفات خدمية كالنفط والخارجية والعمل الإنساني، بما يسهم في تفكيك سردية الميليشيا.
وفيما يتعلق بالموقف الأوغندي، لفت إلى أن كامبالا تنظر إلى الأزمة السودانية من زاوية الارتدادات سواء على صعيد اللاجئين أو شبكات السلاح أو الاستقرار الحدودي وتوازنات القرن الأفريقي، معتبراً أن الهدف فتح قنوات تنسيق أمني وإنساني، وتثبيت دور وساطة محتمل يعزز مكانتها الإقليمي، مشيراً إلى أن أي قناة اتصال تخفف مخاطر الفوضى الإقليمية تُعد مكسباً إستراتيجياً لها.
واعتبر أن الزيارة تندرج في إطار بناء شرعية عملية عبر العلاقات الثنائية، حتى في ظل غياب اعتراف قاري شامل.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن التحرك بداية بناء شبكة تحالفات بدأت ملامحها تتشكل في كمبالا وأديس أبابا ونيروبي، بما يختبر قدرة كل طرف على تحويل الرمزية إلى نفوذ فعلي داخل مؤسسات القارة.
ومن جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي محمد المختار محمد، إن الزيارة تُقرأ على أنها أول اختراق سياسي في حكومة تأسيس، لا سيما أنها جاءت بناءً على دعوة رسمية من الرئيس الأوغندي يوري موسفيني، مما يمنح الحكومة الجديدة صبغة شرعية في المحيط الإقليمي مستقبلاً.
وأضاف المختار محمد، لـ"إرم نيوز"، خاصة بعد تصريحات مسعد بوليس، الجمعة، في مجلس الأمن التي أكدت على الخطوط الحمراء الأمريكية في السودان بعدم قبول عمل شبكات الإخوان لاستعادة السلطة في السودان، وعلى مبادئ الرباعية الخمسة التي تبدأ بهدنة إنسانية وتنتهي بحكومة ودولة مدنية.
أشار محمد إلى أن تركيبة الوفد عكست تمثيلاً سياسياً متكاملاً عكس تكوين الوفد الذي ضم نائب الرئيس عبد العزيز الحلو، ورئيس الوزراء محمد حسن التعايشي، ورئيس مجلس الوزراء إبراهيم الميرغني، ووزير الخارجية عمار أموم، وحكام أقاليم دارفور وشرق السودان، ما قدم صورة الهيكل الإداري المتنوع لـحكومة السلام والوحدة وبوصفها بديلاً مؤسسياً جاهزاً لإدارة شؤون البلاد مستقبلاً.
وأوضح أن الزيارة كرست مرجعية قيادية، عبر تثبيت الفريق أول محمد حمدان دقلو، كقائد للمجلس الرئاسي السوداني، انطلاقاً من دولة ذات ثقل أمني وسياسي كأوغندا.
واعتبر أن الزيارة تجاوزت الجوانب البروتوكولية إلى بحث العلاقات الثنائية بين البلدين وتطويرها، بما يمهد للتعامل مع حكومة تأسيس كجهة تنفيذية مسؤولة عن مصالح الشعب السوداني وعلاقاته الخارجية.
وبيّن محمد أن الزيارة شكلت منصة لتسويق الرؤية السياسية للأزمة، عبر استغلال المنصة الأوغندية لتقديم شرح مفصل حول "جذور الأزمة السودانية"، ورؤية حكومة السلام لوقف الحرب، مع التماس "نوايا صادقة وتفهم" من الجانب الأوغندي لهذه الرؤية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الزيارة هي توطيد للشرعية المتبادلة، تجلّى في تهنئة رئيس المجلس الرئاسي للرئيس موسفيني على فوزه الانتخابي، ما يعكس تعاملاً ندياً بين رئيس دولة ورئيس مجلس سيادي قائم بذاته، وإن بدت الزيارة بغير هذا المسمى.