في خطوة شكّلت منعطفاً كبيراً في مسار الأزمة السودانية، أتت زيارة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" إلى العاصمة الأوغندية كامبالا لترسم حدود شرعية بدأت ترسم ملامحها خارج الحدود الميدانية، حيث استقبل الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني قائد قوات الدعم السريع، في قصر الرئاسة بمدينة عنتيبي في العاصمة كامبالا.
وقال قائد قوات الدعم السريع في تصريحات خلال اللقاء، إنه لن يسمح بتقسيم السودان مجدداً، داعياً الأحزاب السياسية المقيمة في الخارج إلى العودة والمشاركة في الحياة السياسية.
وشدد على أنه لم يرفض أي مبادرة سلام، مستبعداً ما وصفه بـ"سلام مثل سلام جوبا وسلام نيفاشا"، وقال: "لا أريد أن أصبح رئيسا للبلاد وهدفنا اقتلاع الإسلاميين فقط".
وعلى الصعيد الميداني، أكد دقلو أن عدد قوات الدعم السريع تجاوز حالياً نصف مليون مقاتل، بعد أن بدأت الحرب بقوة 123 ألفا فقط.
ومن جانبها، أكدت حركة تحرير السودان الديمقراطية أن زيارة رئيس حكومة السودان الانتقالية محمد حمدان دقلو والوفد المرافق، إلى العاصمة الأوغندية كمبالا، ليست مجرد جولة دبلوماسية عابرة، بل هي ضربة البداية الفعلية لإعلان ميلاد حكومة السودان الجديد.
وذكرت الحركة في بيان أن "وصول هذا الوفد إلى قلب القارة الأفريقية يمثل اعترافاً صريحاً وقوياً بالواقع السياسي الجديد الذي يقوده تحالف السودان التأسيسي، ويكشف للعالم بؤس التحالفات التي تراهن عليها قوات بورتسودان".
وقال الناطق الرسمي باسم حركة تحرير السودان الديمقراطية، الطاهر أبكر إحيمر إن الزيارة كسرت الحصار الدبلوماسي، وفرضت واقعاً سياسياً جديداً، في وقت يسعى فيه قادة بورتسودان إلى عزل القوى الثورية والمدنية وتقديم أنفسهم بوصفهم الشرعية الوحيدة، موضحاً أن هذه الخطوة تحمل رسالة للعالم مفادها بأن الشرعية الحقيقية هي لمن يتملك رؤية سياسية والتحالفات العريضة على الأرض.
وأضاف إحيمر، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن اختيار كمبالا لم يكن تفصيلاً عابراً، بل قراراً استراتيجياً، نظراً لما تمثله أوغندا من ثقل إقليمي ودور محوري داخل منظمة الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، معتبراً أن الرسالة الأساسية تكمن في أن الحل السوداني يمر عبر العمق الأفريقي، لا عبر ما سماها "محاور الاستبداد".
وأضاف إحيمر في تصريحات خاصة لـ "إرم نيوز" أن اختيار كمبالا لم يكن تفصيلاً عابراً، بل قراراً تحديداً استراتيجياً، كونها تمثل ثقلاً إقليمياً ومحركاً أساسياً في منظمة (الإيغاد)، وهي رسالة بأن الحل السوداني يمر عبر بوابة العمق الأفريقي وليس عبر محاور الاستبداد".
وأكد إحيمر أن الزيارة تمثل حجر الزاوية لبناء حلف إقليمي ديمقراطي ضمن المحيط الأفريقي الذي يحترم إرادة الشعوب، لتعرية الأنظمة التي تدعم الفلول، مشيراً إلى أنه سيؤدي إلى عزلة دبلوماسية خانقة لمجموعة بورتسودان، فبمجرد اعتراف القادة الأفارقة بوفد "المجلس الرئاسي" و"تحالف تأسيس"، تسقط ورقة التوت عن الذين يدعون تمثيل الدولة السودانية، ما يعني انتقال المعركة من الميدان العسكري إلى الميدان الدبلوماسي الإقليمي.
وأوضح إحيمر أن وجود قادة بوزن محمد حمدان دقلو وعبد العزيز الحلو مع وفد مجلس الوزراء في رحلة واحدة، يعكس وحدة الهدف والمصير لقوى التأسيس، مؤكداً أنها رسالة للداخل السوداني بأن البديل الوطني المدني الديمقراطي جاهز لقيادة المرحلة، وأن الطائرة التي هبطت في كمبالا تحمل معها ملامح السودان الجديد.
ولفت إلى أن استقبال الوفد من قبل قيادة دولة إقليمية وازنة مثل أوغندا، هو اعتراف بروتوكولي وسياسي ضمني، إذ كسر احتكار "قوات بورتسودان" للتمثيل الخارجي، وأكد للعالم أن هناك "سلطة أمر واقع شرعية" تمتلك الرؤية والقدرة على التحرك الدبلوماسي.
وبيّن إحيمر أن الزيارة تعمل على فرز المواقف الأفريقية، فحينما تبني "حكومة التأسيس" حلفاً جيوسياسياً مع الدول الديمقراطية في القارة، فإنها تعري الأنظمة الداعمة للفلول، لافتاً إلى أن هذا الفرز يظهر للعالم أن حكومة السلام تستمد شرعيتها من "المحيط الديمقراطي" وتطلعات الشعوب الحرة.
وذكر إحيمر أن المجتمع الدولي يبحث دائماً عن "شريك موحد" يمكن التعامل معه، ووجود وفد يضم المكون العسكري (دقلو)، والمكون الثوري المسلح (الحلو)، والمكون المدني التنفيذي (مجلس الوزراء) في طائرة واحدة، يعطي رسالة قوية بأن "حكومة السلام" ليست مجرد شعار، بل هي هيكل إداري وسياسي متكامل جاهز لاستلام زمام الأمور وإدارة البلاد.
وأشار إلى أنه بينما يذهب قادة بورتسودان للخارج لطلب الدعم العسكري لقتل السودانيين، تذهب "طائرة التأسيس" لتقديم مشروع سياسي متكامل، مشيراً إلى أن هذا التباين يعجل بمنح الشرعية لحكومة السلام لأنها تقدم "حلولاً" (أمنية، سياسية، وإنسانية)، بينما يقدم الطرف الآخر "أزمات".
وتابع قائلاً إن هذه الزيارة ستُقرأ في الدوائر الدبلوماسية والاستخباراتية العالمية كتحول استراتيجي في موازين القوى، فالمجتمع الدولي يراقب هذه الزيارة من زوايا براغماتية بحتة، أولها نهاية احتكار التمثيل، إذ إن حكومة بورتسودان فقدت ميزة كونها الممثل الوحيد للدولة، لا سيما مع ظهور وفد يجمع "دقلو والحلو ومدنيين" في عاصمة أفريقية، يعطي انطباعاً بوجود "مركز ثقل سياسي وعسكري موحد" يمكن التفاوض معه كشريك بديل.
وأشار إلى أن الزيارة تُقرأ كدليل على رغبة تحالف تأسيس في الانخراط في المنظومة الإقليمية (الإيغاد والاتحاد الأفريقي)، مما يسهل على القوى الدولية الضغط باتجاه "اعتراف تدريجي" بهذا الجسم الجديد.
وبالنسبة لسلطة بورتسودان، ذكر إحيمر أن الزيارة شكلت "صدمة دبلوماسية"، خاصة وأنهم حاولوا تصوير "الدعم السريع" وحلفائه كقوى معزولة أو متمردة، لكن هذه الزيارة تثبت أن "التحالف التأسيسي" يتحرك بطائرة رسمية وبوفد دولة كامل الأركان، مما يعني فشل حصارهم الدبلوماسي.