انتهى الاجتماع السادس عشر للجنة "الميكانيزم" في لبنان بصيغة عسكرية خالصة هذه المرة، دون أي حضور مدني لبناني أو إسرائيلي، وفي لحظة ميدانية اتسمت بتصعيد إسرائيلي عنيف ومتزامن.
هذه الصيغة تُعبّر، فعلياً، عن موقع الملف الجنوبي وسلاح حزب الله، اليوم، داخل توازنات إقليمية أوسع، وعن تراجع السياسة خطوة إضافية أمام منطق القوة المنظَّمة.
وبحسب ما أفاد مصدر دبلوماسي أمريكي مطّلع لـ"إرم نيوز"، فإن غياب التمثيل المدني عن الاجتماع جاء نتيجة ضيق الهامش السياسي المتاح في هذه المرحلة، فالمسار القائم لا يتيح نقاشات تتجاوز الجوانب العسكرية التشغيلية، في ظل تباعد المواقف الأساسية، واستمرار العمليات الميدانية.
لذلك انحصر الاجتماع في مستوى يتيح تبادل المعطيات، وتنسيق الإجراءات، دون محاولة الذهاب إلى صيغ تفاهم أوسع لا تتوافر لها شروط الاستمرار حاليًا.
ويربط المصدر ما جرى في اجتماع "الميكانيزم" بمشهد إقليمي أوسع تتحرّك فيه أكثر من ساحة في وقت واحد، ما يقلّص هامش المناورة السياسية في كل ملف على حدة.
هذا التزامن في الأزمات يدفع واشنطن إلى التعامل مع الجنوب اللبناني كجزء من ترتيب أمني مؤقت. ضمن هذا الواقع، يُستخدم الإطار العسكري التقني باعتباره الأداة الوحيدة المتاحة لإدارة الاحتكاك الميداني، في ظل غياب أرضية سياسية تسمح بتوسيع النقاش أو تثبيت تفاهمات طويلة الأمد.
ووفق التقديرات الأمريكية، فإن تعامل واشنطن مع استمرار الوجود العسكري لإسرائيل في المواقع الخمسة المستحدثة جنوب لبنان ينطلق من واقع ميداني قائم، حيث أصبحت هذه المواقع جزءًا من المشهد الأمني، ويجري التعامل معها كأمر واقع مؤقت، وليس كملف قابل للبحث أو التعديل في المرحلة الحالية.
ومن هذا المنطلق، ترى واشنطن أن فتح نقاش حول مصير هذه النقاط، الآن، سيؤدي إلى تعطيل آلية التنسيق العسكرية القائمة، دون وجود تصور عملي لكيفية إدارتها في حال تفكيكها، في وقت لا تتوافر فيه شروط سياسية أو أمنية بديلة.

كما يؤكد المصدر أن الإدارة الأمريكية لا تفترض استقرار هذا الترتيب لفترة طويلة، لكنها تعتبره الإطار الوحيد الممكن في ظل غياب مسار سياسي قابل للحياة، مشدداً على أن أي محاولة لاستبداله الآن، من وجهة نظر واشنطن، ستنتج فراغًا تشغيليًا، وهو ما يرفع احتمالات الانزلاق غير المحسوب بدل خفضها.
ويضيف المصدر، الذي تحدث لـ"إرم نيوز"، أن المقاربة الأميركية في هذه المرحلة تقوم على تقليص عناصر المفاجأة، لا على إعادة صياغة الترتيبات القائمة. فواشنطن، بحسب تقديره، تركّز على مراقبة أنماط السلوك الميداني أكثر من الاكتفاء بالالتزامات المعلنة، وتتعامل مع أي تغيير في وتيرة العمليات أو نوعيتها بوصفه مؤشرًا سياسيًا قبل أن يكون حدثًا عسكريًا.
وأكد أن هذا الأسلوب، يهدف إلى منع انتقال الملف الجنوبي من حالة الاحتكاك المنضبط إلى مسار تصعيدي يصعب احتواؤه لاحقًا.
ويشير المصدر إلى أن اللجنة، خلال الفترة الحالية، ينظر إليها كآلية لرصد الحدود القصوى للحركة الميدانية، لأن "أي خروج عن هذه الحدود، وفق هذا التقدير، سيُعدُّ أمريكيًا على أنه تغيير في قواعد الاشتباك، ما يستدعي مراجعة أوسع للمقاربة المعتمدة، وليس مجرد معالجة موضعية داخل إطار الميكانيزم".
في المقابل، يبرز دور قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان بوصفه أحد أكثر عناصر المشهد إشكالية، حيث قالت مصادر سياسية لبنانية في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز"، إن مشاركة القوة الدولية في الاجتماع بصيغته العسكرية تعكس حدود دورها الفعلي، فـ"اليونيفيل" حاضرة كشاهد ومنسّق، لكنها غائبة عن التأثير الحقيقي في مسار القرار، وقدرتها محصورة في نقل المعطيات، وتسهيل التواصل، وتخفيف الاحتكاك المباشر، دون امتلاك أدوات فرض أو ضغط. هذا الدور، تقلّص بسبب ضعف تفويضها، ولأن الأطراف الفاعلة تجاوزت فكرة أن الأمم المتحدة يمكن أن تكون إطارًا ضابطًا لمسار سياسي في هذه المرحلة"، وفق تعبير المصدر.
واعتبرت المصادر السياسية اللبنانية، أن غياب التمثيل المدني عن اجتماع "الميكانيزم" يعكس موقع الدولة داخل هذا المسار، حيث بات دورها محصورًا في متابعة ما يُقرَّر خارجها أكثر من المشاركة في صياغته، معتبرة أن هذا الواقع يضع الحكومة اللبنانية أمام ضغط خارجي متصاعد، ومسار أمني يُدار بمعزل عن أي مظلة سياسية داخلية، وساحة داخلية غير قادرة على إنتاج موقف جامع يمكن البناء عليه.
كما أشارت المصادر لـ"إرم نيوز"، إلى أن التركيز الحكومي على إبراز دور الجيش اللبناني في الجنوب يأتي كاستجابة لفراغ متزايد في إدارة الملف، لذا فإن الحكومة بحسب هذا التقدير، تتحرّك تحت ضغط الحفاظ على موقعها التمثيلي في مرحلة تُدار فيها الترتيبات الأمنية خارج الأطر السياسية اللبنانية. كما أن إدراج مهام الجيش على جدول أعمال مجلس الوزراء يهدف إلى تثبيت حضور رسمي للدولة داخل مسار يتقدّم من دونها، أكثر مما يعبّر عن قدرة على فرض اتجاه أو إعادة ضبط قواعد العمل.
وأوضحت أن الإشكالية الأساسية تكمن في قدرة الحكومة في نطاق قدرتها على الفعل، وتابعت مصادر "إرم نيوز"، بالقول إن "المقاربة المعتمدة حتى الآن تتسم بالتكيّف مع التطورات أكثر من صياغتها، ما يجعل القرارات الحكومية محكومة بإيقاع الأحداث. النقاشات الدائرة داخل الحكومة تتركّز على كيفية استخدام الأدوات المتاحة، دون الانتقال إلى بحث الخيارات التي يفرضها تغيّر البيئة الإقليمية المحيطة".
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي اللبناني نديم خليل، في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن ما قد يعقب اجتماع "الميكانيزم" سيكون تحوّلاً في طريقة إدارة الملف من حول الدولة اللبنانية. معتبراً أن غياب التمثيل المدني عن الاجتماع، مقرونًا بانتهائه دون نتائج سياسية معلنة، سيضع الحكومة اللبنانية أمام واقع أكثر ضيقًا مما كان عليه سابقًا.
ورأى خليل، أن التحدي الأساس بعد الاجتماع، يكمن في آلية اتخاذ القرار في بيروت، فالحكومة بحسب قراءته، أصبحت أمام مسار أمني يتقدّم دون أن يطلب منها موقفًا، لكنها مطالبة، لاحقًا، بتحمّل نتائجه.
وبرأيه، فإن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى ترسيخ نمط إدارة الأزمات عبر المؤسسات العسكرية وحدها، دون توفير الغطاء السياسي اللازم، وهو ما يحمل مخاطر طويلة الأمد على بنية القرار السيادي.
بدوره أشار، دانيال هاربر، الباحث الأمريكي المتخصص في السياسة الخارجية الأمريكية، إلى أن أهمية اجتماع "الميكانيزم" الأخير تكمن فيما رسمه من حدود للمرحلة المقبلة، لا في نتائجه المباشرة. فالصيغة العسكرية الخالصة للاجتماع، وفق تحليله، تشير إلى أن واشنطن تعمل، حاليًا، على تثبيت إطار إدارة، وليس على فتح مسار تفاوضي، في توقيت إقليمي شديد الحساسية.
كما لفت هاربر في حديث لـ"إرم نيوز"، إلى أن هذا النوع من الاجتماعات يُستخدم عادة عندما تكون الخيارات السياسية غير ناضجة، أو عندما يكون ثمن فتحها أعلى من كلفة تأجيلها. مؤكداً أن ما بعد الاجتماع، بحسب تقديره، هو مرحلة اختبار للسلوك الميداني للأطراف المعنية، وليس مرحلة إنتاج تفاهمات.
واعتبر أن الإبقاء على آليات تنسيق عسكرية فاعلة، يعكس توجّهًا أمريكيًا أوسع في المنطقة يقوم على تجميد الأزمات عند مستويات يمكن التحكم بها، بدل السعي إلى حلّها في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة. لكنه يحذّر من أن هذا النهج يبقى مؤقتًا بطبيعته، وأن قدرته على الاستمرار مرتبطة بتوازنات دقيقة قد تتبدّل سريعًا مع أي تطور إقليمي مفاجئ.