تكشف الخطوات الأمريكية الأخيرة عن مسار جديد في التعامل مع الفصائل المسلحة في العراق، يقوم على ملاحقة القيادات بشكل مباشر، عبر برامج مكافآت مالية مقابل معلومات تقود إليهم، في تحول يتجاوز أدوات الضغط التقليدية، ويضع ما يُعرف بـ"اقتصاد المعلومات" في صلب المواجهة.
وخلال الأيام الماضية، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية ضمن برنامج "مكافآت من أجل العدالة" عن تخصيص مبالغ تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن قادة بارزين في فصائل عراقية، بينهم زعيم كتائب سيد الشهداء أبو آلاء الولائي، بالتوازي مع إدراج شخصيات أخرى ضمن قوائم الاستهداف، في خطوة تتقاطع مع عقوبات فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية على قيادات في كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة النجباء.
ولا تأتي هذه الإجراءات بمعزل عن سياق أوسع من التصعيد؛ إذ سبقتها تقارير عن وقف شحنات الدولار إلى العراق وتشديد الرقابة على النظام المالي، إلى جانب تعليق بعض برامج التعاون الأمني، في إطار ضغوط متصاعدة تربط الملف المالي والأمني بسلوك الفصائل المسلحة.
بدوره، قال الخبير الأمني عبدالغني الغضبان إن "هذا المسار يعكس انتقالاً نحو تفكيك مراكز القرار داخل الفصائل، عبر الضغط المباشر على القيادات بدل التعامل مع البنية ككل، فضلاً عن إضعاف شبكة العلاقات الداخلية، وخلق حالة من الحذر أو الانكفاء داخل هذه الجماعات، بما يحد من قدرتها على المبادرة أو التصعيد ضمن المدى القريب".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "الضغط الفردي لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمتد إلى البيئة المحيطة بهذه القيادات، سواء من حيث التمويل أو الحماية السياسية؛ ما قد يدفع بعض الدوائر القريبة إلى إعادة حساباتها أو تقليل مستوى الانخراط المباشر".
وأشار إلى أن "هذا النهج يراهن على إحداث تصدعات داخلية تدريجية، وليس تحقيق نتائج سريعة، من خلال تقويض الثقة بين القيادات ومحيطها، وإدخال عنصر الشك في قنوات الاتصال والتحرك"، مبيناً أن "انعكاسات هذا المسار قد تظهر على شكل تباين في مواقف الفصائل بين من يميل إلى التهدئة لتفادي الاستهداف، ومن قد يتجه إلى التصعيد لإثبات الحضور؛ وهو ما يضع المشهد أمام احتمالات متباينة خلال المرحلة المقبلة".
وجاء هذا التحول بعد موجة هجمات متكررة نفذتها ميليشيات مسلحة خلال الأشهر الأخيرة، شملت استهداف السفارة الأمريكية في بغداد، وقواعد عسكرية تضم قوات أجنبية، إضافة إلى هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ طالت مواقع داخل العراق وإقليم كردستان، في سياق الحرب الدائرة بين واشنطن وطهران.
كما تبنت فصائل مسلحة عمليات استهداف لمصالح أميركية في أكثر من موقع، ضمن ما يُعرف بمحور "المقاومة"، في وقت تشير فيه تقديرات أمنية إلى أن هذه الهجمات لم تعد محصورة داخل العراق، بل ترتبط بشبكة إقليمية أوسع؛ وهو ما يفسر انتقال واشنطن إلى استهداف القيادات بشكل مباشر.
من جهته، قال الباحث الاستراتيجي كاظم ياور إن "هذه المكافآت لا تعكس فقط مساراً أمنياً، بل محاولة لإعادة تشكيل بيئة النفوذ داخل الفصائل، عبر خلق ضغط داخلي على القيادات ودفع الدوائر المحيطة بهم إلى الانكشاف أو الانقسام".
وأضاف ياور لـ"إرم نيوز" أن "خصوصية الحالة العراقية تجعل هذا الأسلوب أكثر تعقيداً؛ لأن قادة الفصائل جزء من المنظومة السياسية، ما يعني أن أي استهداف مباشر لهم سينعكس بالضرورة على التوازنات داخل الدولة، وليس فقط على الجانب الأمني، وقد يفتح الباب أمام إعادة تموضع بعض القوى أو تعديل سلوكها لتفادي الضغوط الدولية".
وتشير معطيات إلى أن واشنطن تعتمد في هذا المسار على الجمع بين أدوات متعددة، تشمل العقوبات المالية، والضغط المصرفي، وبرامج المكافآت، إلى جانب التحركات الاستخبارية، في محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك مع الفصائل، وتقليص قدرتها على تنفيذ هجمات أو التأثير في القرار السياسي.
وفي الداخل العراقي، يرى مراقبون أن هذا التصعيد ينعكس على المشهد السياسي، حيث يتقاطع مع الخلافات داخل قوى الإطار التنسيقي، ويضع ملف الفصائل ضمن أولويات النقاش الحكومي، خاصة وأنه يتزامن مع مسار تشكيل الحكومة الجديدة.