لم تعد المواجهة الدائرة في جنوبي لبنان تُقرأ كحرب تقليدية بين إسرائيل وحزب الله، بل كعملية استنزاف متعددة المستويات تستهدف بنية الحزب العسكرية، وبيئته الحاضنة، ووزنه السياسي في آن واحد، فالمعطيات الميدانية التي تنقلها "رويترز" و"أسوشيتد برس"، إلى جانب تقديرات معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تشير إلى أن الحزب يواجه ضغوطًا غير مسبوقة، ليس من الضربات الإسرائيلية فحسب، بل من تداعياتها داخل بيئته التي بدأت تتحمل كلفة الحرب بشكل مباشر.
تراكم خسائر
على الأرض، تتراكم الخسائر بشكل يصعب تعويضه سريعاً، إذ تحدثت تقارير "رويترز" عن مقتل مئات من مقاتلي الحزب منذ بداية التصعيد الأخير، بينهم قيادات ميدانية بارزة، إضافة إلى تدمير واسع للبنى اللوجستية ومخازن السلاح.
كما أشارت الوكالة إلى أن إسرائيل نفّذت موجات من الضربات الواسعة استهدفت أكثر من 100 موقع في الجنوب والبقاع والضاحية، في محاولة واضحة لتفكيك القدرات تدريجيًا لا توجيه ضربة حاسمة واحدة.
هذه الاستراتيجية، كما يراها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، تقوم على "إضعاف مستمر" يمنع الحزب من إعادة بناء قوته أو استعادة توازنه؛ ما يضعه في حالة استنزاف دائم، لا تتيح له فرصة المبادرة أو التصعيد الكبير.

الجنوب يتفكك.. والبيئة تنزح
لكن التأثير الأعمق يظهر في الداخل اللبناني، فبحسب "أسوشيتد برس"، تجاوز عدد النازحين من الجنوب والبقاع والضاحية 1.2 مليون شخص، في موجة نزوح هي الأكبر منذ عقود، وهذا النزوح لا يعني خسارة جغرافيا فحسب، بل تفككاً تدريجياً في البيئة الحاضنة التي شكّلت لعقود العمود الفقري للحزب.
في هذا السياق، يقول الباحث والكاتب السياسي علي حمادة إن "الخسائر الكبيرة التي مُنيت بها البيئة الحاضنة، اقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً، باتت تضغط بشدة على العائلات التي تعيش حالة نزوح شبه دائم منذ سنوات، ما يؤدي إلى تفكك داخلي متزايد"، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن هذه الضغوط "لم تتحول حتى الآن إلى تيار جارف يعلن معارضته للحزب، بسبب استمرار أدوات الضغط التي يمارسها داخل بيئته".
ضبط بالقوة
يذهب حمادة أبعد من ذلك، معتبراً أن الحزب "لا يزال يمارس ضغوطاً متعددة داخل البيئة الشيعية، تبدأ من العائلة والبلدة، ولا تنتهي عند التهديدات المباشرة"، وهو ما يفسر غياب انفجار داخلي رغم حجم الكلفة، ويقارن هذا السلوك بما جرى في العراق، إذ واجهت الميليشيات الاحتجاجات بالقوة خلال 2019، ما يعكس -بحسب قوله- نمطاً مشتركاً في إدارة النفوذ داخل بيئات هذه التنظيمات الملحقة بإيران.
هذه القراءة تتقاطع مع ما أورده معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذي يشير إلى أن قوة حزب الله لا تعتمد على السلاح فحسب، بل على شبكة سيطرة اجتماعية واقتصادية وأمنية معقدة، تجعل من الصعب على البيئة الحاضنة الانفكاك عنه سريعاً، حتى تحت الضغط.
مأزق سياسي يتعمّق
سياسياً، لا تبدو الصورة أفضل، فوفق "رويترز"، مضى لبنان في مسار تفاوضي مع إسرائيل رغم معارضة الحزب، ما يعكس تراجع قدرته على فرض خياراته على مؤسسات الدولة، ويؤكد حمادة أن "أركاناً أساسية في الدولة اللبنانية تحررت نسبياً من إملاءات حزب الله"، في مؤشر على بداية تحوّل بطيء في موازين القوة.
ورغم أن الحزب ما يزال يحتفظ بنفوذ واسع، فإن هذا النفوذ -كما يصفه حمادة- هو "نتاج تراكم 40 عاماً"، ولذا فإن تفكيكه لن يكون سريعاً، بل يحتاج إلى وقت طويل وضغط مستمر.
استنزاف وتغيير من الداخل
بالرغم من كل الخسائر، وعلى أكثر من مستوى، لا تشير المعطيات إلى انهيار وشيك لحزب الله، لكنها تؤكد أنه دخل مرحلة مختلفة؛ مرحلة يُستنزف فيها ميدانياً، وتُضغط فيها بيئته، ويتراجع فيها نفوذه السياسي تدريجياً، وهذا النمط من الحروب، كما ترى مراكز الأبحاث الغربية، لا يهدف إلى إسقاط التنظيم دفعة واحدة، بل إلى تغييره من الداخل تحت ضغط الزمن والكلفة. وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة، فحزب الله لا يُهزم بضربة قاضية، بل يُعاد تشكيله تحت النار.