لم يكن مشهد عودة ملف تشكيل الحكومة العراقية إلى نقطة الصفر حدثًا مفاجئًا بقدر ما كان كاشفًا لآلية اشتغال السلطة داخل بغداد.
فالزيارة الأخيرة التي أجراها قائد فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني، إلى بغداد، أعادت تفعيل معادلة قديمة تقوم على إعادة ترتيب التوازنات الداخلية كلما اقتربت لحظة الحسم، وكلما بدا أن مسار التشكيل يقترب من إنتاج صيغة حكومية أقل خضوعًا للاشتراطات الإيرانية.
وفي أعقاب الزيارة، لم يطل الوقت حتى عادت بعض قوى "الإطار التنسيقي" إلى طرح اسم سبق أن تراجع داخل المشاورات بعد رفض واشنطن لعودته، وهو رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، بما يعكس عودة مسار التشكيل إلى منطق الوصاية، وليس إلى منطق الاستقرار الحكومي.
وقالت مصادر سياسية عراقية مطلعة، لـ"إرم نيوز"، إن زيارة إسماعيل قاآني إلى بغداد تزامنت مع لحظة تعثر حاد في مشاورات تسمية رئيس الحكومة.
وأضافت المصادر أن سلسلة اللقاءات التي عقدها قاآني دفعت النقاش داخل "الإطار التنسيقي" إلى مسار مرتبك، ما أعاد المشاورات إلى نقطة أكثر ارتباكًا، وأبعدها عن إنتاج تسوية مستقرة.
ويدفع هذا المسار القوى العراقية إلى البحث عن حكومة قابلة للحياة، لكن ضغط النفوذ الخارجي يبقي مسار التشكيل أسيرًا لحسابات لا تتصل مباشرة بأولويات الاستقرار.
وفي هذا السياق، قال الأكاديمي والباحث السياسي العراقي، غالب الدعمي، لـ"إرم نيوز"، إن إيران تدفع في العراق باتجاه حماية مصالحها السياسية والاستراتيجية، وتتعامل مع ملف رئاسة الحكومة من زاوية ضمان وجود شخصية لا تعرقل هذه المصالح داخل بغداد.
وأضاف الدعمي أن خيارات طهران داخل العراق لم تعد واسعة كما كانت في مراحل سابقة، وأن قدرتها على التأثير تراجعت، لكنها لا تزال تحتفظ بحضور فعلي داخل المشهد السياسي، يسمح لها بمحاولة التأثير في بعض مساراته.
وتابع أن إيران تتحرك أيضًا انطلاقًا من خشيتها من انزلاق العراق إلى محور يرفع مستوى الخصومة معها، لأن ذلك يضغط على نفوذها الإقليمي ويفقدها جزءًا من عناصر القوة التي تمنع تراجع قدرتها على التأثير في شكل الحكومة المقبلة.
في مقابل هذا المشهد، يحافظ محمد شياع السوداني، بحسب المصادر السياسية، على موقع متقدم داخل مشاورات التشكيل، لأنه لا يزال يُنظر إليه باعتباره الخيار الأقل كلفة والأكثر قابلية للاستمرار داخليًا وخارجيًا في هذه المرحلة، في ظل قدرته على التحرك داخل شبكة التوازنات القائمة، وضمن مناخ سياسي يحتاج إلى إدارة هادئة للصراع أكثر مما يحتاج إلى فتح مواجهة جديدة داخل بنية الحكم.
وبينما يحضر السوداني داخل هذا المسار كخيار أقل كلفة في حسابات القوى المنخرطة في التشكيل، فإن عودته تبدو أكثر قدرة على تمرير تسوية لا تفجر التوازنات الداخلية ولا تستفز الخارج دفعة واحدة.
بالتوازي مع هذا المشهد، تدخل زيارة المبعوث الأمريكي توم برّاك إلى بغداد ضمن حركة متابعة أمريكية لمسار التشكيل، في وقت تحاول فيه واشنطن حماية المسار الحكومي من مزيد من التعقيد، ومراقبة اتجاهات "الإطار التنسيقي" بعد عودة اسم المالكي إلى التداول.
ويتركز هذا الحضور على دعم صيغة حكومية تحافظ على قدر من الاستقرار داخل مؤسسات الحكم، وتحد من اندفاع القوى الأقرب إلى طهران نحو فرض خيارات تزيد المشهد توترًا.
ويتحرك الحضور الأمريكي داخل هامش ترسمه تعقيدات المشهد العراقي، حيث تراقب واشنطن مسار المشاورات وتحاول منع انزلاق التشكيل إلى خيارات ترفع مستوى التوتر داخل بنية الحكم، فيما يبقى القرار الفعلي رهنًا بالتجاذبات الجارية داخل "الإطار التنسيقي" وبالضغوط التي تمارسها القوى الأقرب إلى طهران على مسار الترشيحات.
ويدفع هذا المسار العراق نحو تسوية قصيرة النفس، تُخرج الحكومة من عنق الزجاجة، وتُبقي أسباب أزمتها داخلها، فالمشاورات الجارية داخل "الإطار التنسيقي" وحوله تتحرك تحت ضغط الحاجة إلى إقفال الملف، فيما تواصل حسابات النفوذ دفع التشكيل بعيدًا عن أي استقرار متين.
وضمن هذا المناخ تتقدم الصيغة التي تضمن استمرار السلطة بأقل قدر من الخسائر السياسية، من دون أن تفتح طريقًا واضحًا أمام معالجة الخلل الذي يضرب آلية القرار من داخلها.
لهذا تقترب بغداد من ولادة حكومة جديدة تحمل في داخلها عناصر ارتباكها منذ لحظة التشكيل، إذ تمضي الكتل نحو إقفال الاستحقاق تحت ضغط الوقت والاصطفافات والحسابات الإقليمية، فيما يبقى الاستقرار السياسي مؤجلًا إلى جولة لاحقة، لأن المسار الذي أعاد خلط الأوراق في الأيام الأخيرة لا يزال نفسه يحكم نهاية الملف، ويرسم سقف الحكومة المقبلة.