القناة 12 الإسرائيلية: إسرائيل تستعد للعودة إلى القتال مع إيران في أي لحظة
فرنسا ليست في حالة حرب، لكنها باتت على أعتابها، فمنذ اندلاع الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، تجد القوات الفرنسية المنتشرة في المنطقة نفسها في قلب مواجهة لم تختَرها.
وتتصاعد بتلك المواجهة الخسائر البشرية في صفوف القوات الفرنسية، وتتكشّف فيها هشاشة بنيوية في طبيعة المهمات الموكلة إليها.
ويوم السبت الماضي، لقي الرقيب أول فلوريان مونتوريو، من الفوج السابع عشر لهندسة المظليين في مونتوبان، حتفه في كمين نُصب له خلال مهمة استطلاع في جنوب لبنان.
وبحسب صحيفة "لوموند"، رفع مقتله عدد الجنود الذين سقطوا تحت راية الأمم المتحدة في لبنان منذ نشر قوة اليونيفيل عام 1978 إلى 343 جنديًا، مما يجعلها أعلى بعثة أممية تتكبد خسائر بشرية منذ عام 1948.
وفي مارس/آذار الماضي، لقي العريف الأول أرنو فريون، من الكتيبة السابعة للمشاة، حتفه إثر ضربة لطائرة مسيّرة في العراق نُسبت إلى ميليشيا موالية لإيران.
وفي كلتا الحالتين، تكشف صحيفة "لوفيغارو" أن "الشك لا يزال قائمًا حول نوايا المهاجمين: هل استُهدفت فرنسا عمدًا بسبب ارتباطها المفترض بالعمليات الأمريكية؟ أم أن الجنود الفرنسيين كانوا ضحايا عرضية للاشتعال الإقليمي؟".
وترسم "لوفيغارو" صورة شاملة للتمركز الفرنسي في المنطقة: 600 جندي في لبنان ضمن قوة اليونيفيل، مشاركة في عملية OIR لمكافحة داعش بالعراق، حضور في دول عربية بموجب اتفاقيات دفاعية مشتركة، انتشار بحري في البحر الأحمر ضمن عملية أسبيدس، وتحويل مجموعة حاملة الطائرات نحو المتوسط.
كما تدرس فرنسا إرسال سفن كنس ألغام إلى مضيق هرمز فور انتهاء الأعمال الحربية.
من جهتها، تكشف "لوموند" المعضلة البنيوية الحقيقية: الجنود الفرنسيون يضطلعون بمهام دفاعية بالكامل من حيث دعم الجيش اللبناني، تدريب القوات العراقية، حماية الشركاء، وتأمين الملاحة البحرية، مما يُقيّد قدرتهم على ردع أي تصعيد أو حماية أنفسهم من خصوم محتملين.
وفي لبنان تحديدًا، يحدد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 استخدام القوة بحق الدفاع الشرعي عن النفس فقط، بينما لا تملك "قوة الاستجابة السريعة" التي تعتمد أساسًا على أنظمة الرادار أي وسائل قتالية هجومية.
هذا ما يُسميه الجنرال الفرنسي المتقاعد ترانكان "المعادلة المستحيلة"، اليونيفيل موجودة في المنطقة لكنها "لا تعترض مقاتلي حزب الله في معاركهم مع الجيش الإسرائيلي"، وفق ما نقلته "فرانس إنفو"، مما يجعلها هدفًا مكشوفًا لكل الأطراف دون أن تحظى بحماية أي منهم.
يصف كبار المسؤولين الفرنسيين المشهد بلهجة المحبطين، إذ ينتقد وزير الخارجية جان نويل بارو "دعم إيران لميليشيات تزعزع استقرار الشرق الأوسط وتستهدف الجنود الفرنسيين".
لكن في الكواليس يبدو التوجس أعمق: مسؤول رفيع يقول "حتى لو أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانتصار، لن نخرج من الفوضى".
وأشار قائد الأركان الجنرال فابيان ماندون، في جلسة استماع أمام الجمعية الوطنية مطلع أبريل/نيسان، بوضوح ضمني إلى استخدام القوة "المُخلى عنها من القيود الأخلاقية من قبل دول كبرى بأحجام لم نكن نتخيلها"، دون أن يُسمي الولايات المتحدة صراحةً، لكن دون أن يُخفي القصد.
أما بالنسبة للموقف الرسمي فلا يتزعزع "لن نخوض الحرب"، يؤكد دبلوماسي فرنسي.
وتؤكد القيادة العسكرية أن الانتقام خارج الحسابات كليًا، لكن جان ماري بوكيل، الوزير السابق لشؤون الدفاع الذي فقد هو نفسه ابنه في مالي عام 2019، يقول لـ"فرانس إنفو" بصراحة مؤلمة: "ظروف هذا الوجود وطريقة عمل هذه القوة في العالم القادم يجب إعادة التفكير فيها".
تكشف المعطيات المجمّعة عن معادلة قاسية تُدار في باريس خلف الكواليس: فرنسا تدفع ثمنًا بشريًا حقيقيًا مقابل مقعد على طاولة المفاوضات الدولية.
وتلخّص "لوفيغارو" هذه الاستراتيجية بعبارة صريحة: "الانتشار الفرنسي شرط لأن يكون لها ثقل في المناقشات الدولية"، غير أن هذا الثمن يرتفع.
وانسحب الجيشان الإيطالي والألماني بصمت من الشرق الأوسط فور اندلاع الصراع، أما البريطانيون فهم مقيّدون بأسطول أصبح هزيلًا في السنوات الأخيرة.
وتحاول فرنسا وحدها الصمود في المربع الأكثر خطورة، بقوات لا تملك الصلاحية للاشتباك، في حرب لا تنتمي رسميًا إليها، ضد خصوم لا تتصادم معهم رسميًا، في ظل جيش أمريكي - إسرائيلي لا يُشاورها ولا يُنسق معها.
والسؤال الذي بات يُطرح في باريس بصوت مرتفع: إلى متى يستحق "مقعد الطاولة" هذا الثمن؟.