يفتح قرار الحكومة الإسرائيلية بتحرير بيع الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، الباب واسعًا أمام توسيع الاستيطان الإسرائيلي عبر تملك الأراضي التي يواجه أصحابها انعدامًا لمقومات البقاء في ظل تصاعد الهجمات الإسرائيلية.
ويلغي القرار الإسرائيلي القانون الأردني الذي كان يسري في الضفة الغربية والذي يمنع بيع أراضي الفلسطينيين لغير العرب في الضفة الغربية.
كذلك يتضمن القرار رفع السرية عن سجلات الأراضي المملوكة لفلسطينيين، بما يتيح لإسرائيل الضغط على مالكيها، أو التصرف في ممتلكات غاب أصحابها عنها لأي سبب كان.
ويرى مختصون أن ما تقوم به إسرائيل لا يمكن فصله عن مشروع متكامل يهدف إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية بحكم الأمر الواقع، عبر تكريس وقائع قانونية وميدانية وسياسية جديدة.
وتنضم الخطوات الإسرائيلية هذه إلى خطوات سابقة تسعى إلى ضم الضفة الغربية والتضييق على الفلسطينيين هناك، وهو ما تنظر إليه السلطة الفلسطينية على أنه تصعيد غير مسبوق يهدد حل الدولتين.
يرى المحلل السياسي نعمان العابد أن ما تقوم به إسرائيل، سواء قبل السابع من أكتوبر أو بعده، يؤسس لواقع قانوني وميداني وسياسي جديد، مآله فرض السيادة الإسرائيلية بحكم الأمر الواقع.
وقال لـ"إرم نيوز": "الضفة الغربية من الناحية القانونية وفق القانون الدولي، تُعد أراضي محتلة، وكذلك بحسب قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، وبالتالي لا شرعية للقوانين التي تسنّها دولة إسرائيل".
وأضاف: "الحكومة الإسرائيلية تحاول جاهدة أن تسابق الزمن في فرض وقائع قانونية وسياسية وميدانية في الضفة الغربية، وذلك لتحقيق أمرين أساسيين: الأول فرض أيديولوجيتها وقناعاتها الدينية المتعلقة بالاستيلاء على الأرض الفلسطينية وتهجير الشعب الفلسطيني، والثاني تعطيل تجسيد حل الدولتين، في ظل الاعترافات الدولية والضغوط المتزايدة باتجاه إقامة الدولة الفلسطينية".
وأشار العابد كذلك إلى أن بُعدًا جديدًا دخل في هذه القرارات، يتمثل في توظيفها في سياق الدعاية الانتخابية مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، المتوقعة في شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
وقال إن "هذا يعني أن الأحزاب الإسرائيلية دخلت فعليًّا مرحلة التنافس الانتخابي؛ ما يفسّر تسارع هذه الإجراءات في هذا التوقيت".
ويرى العابد أن هذه الإجراءات تؤسس لما يمكن اعتباره ملامح ضم فعلي غير معلن رسميًّا، وهو ما سيؤدي إلى تعطيل قيام دولة فلسطينية مترابطة جغرافيًّا وديمغرافيًّا.
وأكد: "هذا قد يقود إلى شكل من أشكال التطهير العرقي، إذ إن الاستيلاء على الأرض الفلسطينية يرافقه تضييق ممنهج على الشعب الفلسطيني، وتحويل الضفة الغربية إلى مناطق معزولة".
وبحسب العابد فإن "هذا الواقع سيؤدي إلى تكريس نظام فصل عنصري حيث يُطبّق القانون المدني الإسرائيلي على المستوطنين باعتبارهم، وفق رؤية هذه الحكومة، موجودين على أرض إسرائيلية، بينما يُطبّق القانون العسكري على الفلسطيني الذي يُنظر إليه كضيف على هذه الأرض".
من جانبه، يرى المحلل السياسي أشرف القصّاص أن قرارات الحكومة الإسرائيلية الأخيرة لتكريس ضم الضفة الغربية تمثل تحولًا خطيرًا في مسار شرعنة سياسة "الضم الزاحف" التدريجي، وإعادة هندسة توسيع الاستيطان في الضفة الغربية.
وقال القصاص لـ"إرم نيوز": "الحكومة الإسرائيلية تستغل الظروف الراهنة، في ظل الهدوء النسبي بعد حرب الإبادة في غزة، ورغبة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تحسين أوضاعه الانتخابية، لدفع مشروع الضم من الإطار السياسي إلى الحيز التنفيذي وفرض وقائع جديدة على الأرض".
وأضاف: "إعلان السيادة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية يمثل إعلان شهادة وفاة رسمية لحل الدولتين"، مذكرًا بتعهد نتنياهو لناخبيه بضم منطقة وادي الأردن وأجزاء أخرى من الضفة الغربية المحتلة.
ويعتقد القصاص أن انتقال المشروع من مستوى الخطاب إلى مستوى التنفيذ العملي يعني دفن مشروع الدولة الفلسطينية، ويشكّل مؤشرًا إضافيًّا على تصفية القضية الفلسطينية.
وحذر القصّاص من أن "السياق الأخطر لِما يجري يتمثل في كونه حربًا على الوجود الفلسطيني، عبر تعزيز سياسات التضييق الأمني والاقتصادي والسياسي، بما يخدم فكرة تهجير الفلسطينيين من أراضي الضفة الغربية بصورة غير مباشرة".
وأشار إلى أن "نتنياهو يستثمر زيارته إلى واشنطن لاختبار السقف الأمريكي، من خلال المناورة السياسية والإعلان عن قرارات ضم متسارعة، سواء تلك التي صادق عليها الكابينيت أو مشاريع القوانين التي يقرها الكنيست، والتي تهدف إلى ضم الضفة الغربية بالتوازي مع استمرار العمليات الإسرائيلية في قطاع غزة".
وذكر أن "الهدف الأساسي يتمثل في إعادة تصنيف الأراضي الفلسطينية باعتبارها أراضي دولة إسرائيل، لا أراضي محتلة أو ملفًا سياسيًّا خاضعًا للتفاوض".
وشدد على أن الضم لم يعد إعلانًا صاخبًا، بل أصبح عملية بيروقراطية منظمة تشمل نقل الصلاحيات، وتغيير خرائط التنظيم، وتوسيع مجالس التخطيط والبناء الاستيطانية؛ ما يجعل مواجهة هذا النموذج دوليًّا أكثر صعوبة.