تتجه الأنظار في المنطقة إلى طبيعة الهجوم الأمريكي المحتمل على إيران، في ظل حشد عسكري متصاعد ورسائل سياسية متناقضة بين التفاوض والتهديد.
وبين حديث عن "حرب كبرى" إذا فشلت المسارات الدبلوماسية، وتقديرات ترجح ضربة محدودة، يبرز سيناريو استهداف أذرع طهران الإقليمية كخيار وسطي يجمع، وفق خبراء، بين الردع وتفادي المواجهة الشاملة.
ومع وصول حاملتي الطائرات الأمريكيتين إلى المنطقة، وتكثيف الجسر الجوي العسكري، تتقاطع المؤشرات بين مسار تفاوضي متعثر في جنيف ورسائل ردع عسكرية متصاعدة، ما يعزز فرضية أن واشنطن تلوّح بخيارات متعددة، بينها استهداف أذرع طهران في العراق أو لبنان أو حتى اليمن، باعتبارها حلقة الضغط الأقرب والأقل كلفة سياسياً.
المستشار العسكري العراقي صفاء الأعسم قال لـ"إرم نيوز" إن "تحريك حاملتي طائرات أمريكيتين إلى المنطقة ليس إجراء روتينياً، فهذه التحركات تكلف مئات ملايين الدولارات، ولا يمكن أن تكون مجرد استعراض قوة بلا هدف".
وأضاف أن "السيناريو الأقرب، وفق المؤشرات، هو توجيه ضربة إلى أهداف محدودة وحساسة، قد تشمل مواقع مرتبطة بالبرنامج الصاروخي أو منشآت تخزين أو معامل معينة، أو حتى شخصيات ذات تأثير مباشر في هذا الملف، من دون الذهاب إلى حرب مفتوحة على غرار 2003".
وأوضح أن "الولايات المتحدة تركز حالياً على ملف الصواريخ بعيدة المدى والبرنامج النووي، وإذا تعذر إيقاف هذه المسارات تفاوضياً، فإن الضربة قد تكون مركزة ومحددة زمنياً، وتنتهي بإعادة رسم خطوط حمراء جديدة".
وتتزامن هذه التقديرات مع ما كشفه موقع "أكسيوس" عن استعداد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لخيار عسكري قد يمتد لأسابيع إذا فشلت الدبلوماسية، في ظل مشاركة إسرائيل ورفع مستوى الجاهزية الجوية والبحرية، وهو ما يؤشر إلى تداخل بين خيار "الحملة الواسعة" وخيار "الضربة الدقيقة".
ويرى مراقبون أن الفرق بين السيناريوهين قد لا يكون في طبيعة الأهداف فقط، بل في ساحات التنفيذ أيضاً، إذ قد تختار واشنطن نقل الاشتباك إلى خارج الجغرافيا الإيرانية.
في هذا السياق، قال الباحث في الشؤون الأمنية حميد العبيدي إن "استهداف أذرع إيران في المنطقة يبقى احتمالاً قائماً بقوة، خصوصاً إذا أرادت واشنطن الضغط من دون تفجير مواجهة مباشرة مع طهران".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "الضربة قد تكون في العراق أو لبنان أو حتى في مواقع لوجستية مرتبطة بفصائل موالية لإيران، على اعتبار أن هذه الساحات تمثل امتداداً عملياً للنفوذ الإيراني، واستهدافها يوجه رسالة مزدوجة من دون المساس المباشر بالأراضي الإيرانية".
وأوضح أن "الولايات المتحدة قد تسعى إلى إضعاف قدرة هذه الفصائل على التحرك أو تهديد المصالح الأمريكية، عبر ضرب مخازن سلاح أو مراكز قيادة محددة، مع الحرص على إبقاء سقف التصعيد مضبوطاً".
يأتي ذلك في وقت رفعت فيه فصائل عراقية، أخيراً، مستوى خطابها التحذيري، ولوّحت بأن أي استهداف لإيران لن يبقى داخل حدودها، وسط مؤشرات على إعادة تموضع محدودة قرب مواقع حساسة تضم قوات أمريكية.
ويقرأ محللون المشهد باعتباره توازناً هشاً بين "الضغط الأقصى" الذي تلوح به إدارة ترامب، ومحاولة إبقاء باب التفاوض مفتوحاً عبر جولات جنيف، حيث تصر طهران على حصر النقاش بالملف النووي، فيما تريد واشنطن إدراج الصواريخ ودور الأذرع الإقليمية.
ويرى هؤلاء أن خيار استهداف الأذرع قد يكون جزءاً من استراتيجية تفاوضية، هدفها رفع كلفة التعنت الإيراني وإجبار طهران على توسيع جدول الأعمال، من دون المخاطرة بحرب مباشرة تستنزف الجميع.
في المقابل، تحذر تقديرات إقليمية من أن أي ضربة، حتى وإن كانت محدودة، قد تدفع الفصائل إلى الرد داخل العراق أو عبر استهداف مصالح أمريكية في المنطقة.
بدوره، قال الباحث في الشؤون السياسية حيدر الجوراني إن "مفهوم أذرع إيران بصيغته التقليدية تضاءل كثيرا في السنوات الأخيرة، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، لأن البيئة السياسية والعسكرية تغيرت بشكل جذري".
وأضاف الجوراني لـ"إرم نيوز" أن "هذه التشكيلات لم تعد تعمل كنموذج كلاسيكي للأذرع بالوكالة يخوض حرباً نيابة عن طهران، بل تحولت إلى قوى ذات عقيدة أيديولوجية مرتبطة بخطاب المقاومة، لكنها تتخذ قراراتها التكتيكية وفق حسابات محلية خاصة بكل ساحة".