logo
العالم

بين جنيف والميدان.. إدارة أمريكية "محسوبة وصارمة" للملف الإيراني

تعبيرية - عراقجي وويتكوفالمصدر: mehrnews

تتراكم المؤشرات السياسية الصادرة عن واشنطن بشأن إيران في اتجاه واضح يقوم على إبقاء المسار التفاوضي نشطًا، مع تثبيت أدوات الضغط القائمة.

ويكشف تتابع التصريحات والاجتماعات خلال الأيام الماضية عن طريقة تعامل مختلفة مع الملف النووي، تقوم على المتابعة الدقيقة للتفاصيل وتنسيق المواقف خطوة بخطوة.

ويُنظر اليوم إلى البرنامج الإيراني، بوصفه ملفًا قائمًا بذاته داخل دوائر القرار الأمريكية، حيث تُراجع تطوراته باستمرار، وتُربط مستوياته التقنية بحسابات سياسية واضحة، في سياق عمل هادئ يركّز على ما يمكن تثبيته وتنفيذه، لا على ما يمكن الإعلان عنه.

أخبار ذات علاقة

مسافرون في مطار بن غوريون

الرئيس السابق لجهاز "أمان" الإسرائيلي: الحرب ضد إيران أقرب من أي وقت

من الاختبار إلى التثبيت

الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران عُقدت في جنيف برعاية سلطنة عُمان، واستمرت نحو 3 ساعات، في جلسة اتسمت بتركيز تقني وسياسي واضح.

والإعلان الإيراني عن التوصل إلى "مجموعة مبادئ توجيهية" للعمل المقبل يُمثل مؤشرًا إلى انتقال العملية من مرحلة اختبار المواقف إلى مرحلة تثبيت الإطار المرجعي.

المبادئ التوجيهية في العرف التفاوضي تعني الاتفاق على حدود النقاش، وتعريف القضايا التي ستدخل في النص المحتمل، وتحديد نطاق الالتزامات الممكنة.

لذا فإن هذه الصيغة تضع العملية على سكة صياغة تدريجية، وتفتح الباب أمام مفاوضات تفصيلية حول مستويات التخصيب، وآليات الرقابة، وسقف تخفيف العقوبات.

عمليًا، فإن تثبيت "المبادئ" قبل الشروع في كتابة نص الاتفاق، يعكس رغبة في تقليص مساحة المفاجآت لاحقًا، لأن الإطار المرجعي المشترك يسمح بإدارة الخلافات داخل حدود محددة، ويمنح كل طرف قدرة على اختبار مرونة الآخر من دون إعلان التزامات نهائية.

وتمثل هذه المرحلة نقطة ارتكاز للعمل المقبل، إذ يتحول النقاش من العناوين العامة إلى التفاصيل التنفيذية.

إدارة التوقعات

في موازاة الإعلان الإيراني، أكد مسؤول أمريكي وجود تقدم في المفاوضات، مع الإشارة إلى أن تفاصيل رئيسية ما زالت قيد البحث.

هذا النوع من التصريحات يعكس إدارة محسوبة للتوقعات السياسية؛ فالاعتراف بالتقدم يبعث رسالة إيجابية، فيما تشير الإحالة إلى بقاء ملفات عالقة إلى حفظ مساحة التفاوض ومنع تضخم التوقعات.

التوقع بتقديم طهران مقترحات مفصلة خلال أسبوعين يمثل تطورًا إجرائيًا مهمًا، فالانتقال إلى مقترحات مكتوبة يعني دخول العملية مرحلة اختبار عملي للأفكار المطروحة، إذ تكشف النصوص التفصيلية طبيعة الالتزامات التقنية، وحدود التخصيب، وآليات التفتيش، وصيغة تخفيف العقوبات.

كذلك فإن تبادل الاتصالات بين رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الاتفاق النووي في سياق جنيف يضع المفاوضات ضمن إدارة سياسية أوسع من الثنائية الأمريكية – الإيرانية، إذ يعكس إدخال لندن في المشهد إدراكًا بأن أي تفاهم مستقبلي يحتاج إلى تنسيق عبر الأطلسي، سواء على مستوى العقوبات أو الضمانات السياسية.

هذا التواصل يعيد تثبيت البعد الأوروبي في الملف؛ فبريطانيا، التي كانت طرفًا في الاتفاق النووي السابق، تمتلك خبرة تفاوضية وتؤدي دورًا في صياغة البيئة السياسية المحيطة بالمفاوضات.

لذا فإن التنسيق الأمريكي – البريطاني يمنح العملية بعدًا دوليًا إضافيًا، ويعزز قابلية أي تفاهم للترجمة إلى إجراءات عملية في مجلس الأمن أو عبر منظومات العقوبات.

انتظام المسار التفاوضي

المعطيات المتاحة منذ منتصف الشهر الجاري تشير إلى أن واشنطن تدير العملية التفاوضية عبر قنوات محددة، مع حرص على تقليل مساحة التوقعات العلنية.

فالاجتماعات المتكررة والحديث عن تقدم في بعض الجوانب يعكسان سعيًا لتثبيت أرضية مشتركة حول مستويات التخصيب وآليات التحقق.

هذا المسار يمنح الإدارة الأمريكية قدرة على مراقبة تطور البرنامج الإيراني بصورة دقيقة، مع الاحتفاظ بهامش تحرك سياسي داخل الكونغرس وضمن شبكة التحالفات الإقليمية.

بالتوازي مع استمرار المحادثات في جنيف، عززت الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط عبر إرسال أكثر من 50 طائرة مقاتلة متقدمة إلى قواعد في المنطقة، وفق تقارير متطابقة صادرة خلال اليومين الماضيين.

وشملت التشكيلة طائرات من أجيال مختلفة قادرة على تنفيذ مهام تفوق جوي وضربات دقيقة بعيدة المدى، ما يعكس مستوى جاهزية عملياتية مرتفعًا.

هذا الانتشار لم يرتبط بإعلان رسمي عن تهديد وشيك، وإنما جاء في سياق إدارة أوسع للبيئة الأمنية الإقليمية.

وتوقيته المتزامن مع المفاوضات يضعه ضمن منظومة مرافقة للعملية السياسية، ويؤكد أن المسار الدبلوماسي يتحرك ضمن إطار أمني منضبط. فتعزيز الحضور الجوي يرفع قدرة المراقبة والردع، ويوفر غطاءً عملياتيًا لأي تطور مفاجئ.

وتأتي هذه الخطوة في إطار تثبيت ميزان القوة بالتوازي مع استمرار التفاوض؛ فوجود قدرات عسكرية متقدمة في مسرح العمليات يوسّع هامش الحركة أمام واشنطن، ويمنحها قدرة أكبر على إدارة أي تطور ميداني، مع الحفاظ على المسار الدبلوماسي المفتوح كما هو.

الرقابة الدولية

شملت التحركات الأخيرة اتصالات مكثفة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إطار متابعة مستويات التخصيب ونطاق التفتيش.

وهذا المسار يمنح العملية التفاوضية بعدًا تقنيًا يخفف من الطابع السياسي المباشر، ويضع معايير قابلة للتوثيق.

الاهتمام الأمريكي بالترتيبات الرقابية يعكس إدراكًا لأهمية تثبيت آليات تحقق واضحة، بحيث تصبح أي تفاهمات محتملة قابلة للتنفيذ والمتابعة ضمن جدول زمني محدد.

في المقابل، يتحرك الملف الإيراني ضمن بيئة إقليمية متغيرة، تشمل مواقف إسرائيلية معلنة حول نقل اليورانيوم المخصب وتفكيك البنية التحتية.

أخبار ذات علاقة

صورة أقمار صناعية للموقع الذي حصنته إيران

صور أقمار صناعية تكشف أن إيران تعزز منشآتها العسكرية

وتأخذ واشنطن هذه المعطيات في الاعتبار عند صياغة رسائلها السياسية، وتعمل على مواءمة خطواتها مع شبكة علاقاتها الاستراتيجية.

ويبدو أن المفاوضات الحالية تجري في ظل هذه الاعتبارات، ما يفرض درجة عالية من الدقة في تحديد نطاق أي التزام محتمل.

وبحسب مراقبين، فإن المعطيات الحالية تشير إلى أن المقاربة الأمريكية باتت تركز على ضبط السلوك النووي الإيراني ضمن إطار رقابي قابل للقياس، أكثر من تركيزها على صياغة اتفاق سياسي واسع يعيد ترتيب العلاقة بالكامل، ما يوحي بأن استمرار المفاوضات بالتوازي مع الحفاظ على منظومة العقوبات والتنسيق الأمني الإقليمي يعني أن الهدف المرحلي هو تثبيت قيود تقنية واضحة ومراقبة التنفيذ بدقة، وهذا لا يعني التخلي عن أفق اتفاق أوسع، لكنه يعكس ترتيبًا للأولويات.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC