logo
العالم العربي
خاص

حصر السلاح ينتقل شمالاً.. لبنان أمام اختبار سيادة الدولة "الحاسم"

قوة تابعة للجيش اللبنانيالمصدر: رويترز

مع انتهاء الجيش اللبناني من تنفيذ المرحلة الخاصة بحصر السلاح جنوب نهر الليطاني، انتقل ملف لبنان إلى مستوى مختلف من المتابعة الدولية، يقوم على الانتقال من التقييم السياسي العام إلى المراقبة التنفيذية المباشرة.  

هذا التحوّل تزامن مع تثبيت القرار الأمريكي بخفض مستوى الاشتباك الإقليمي المرتبط بإيران، وما رافقه من إعادة توزيع للأولويات، ما أطلق عدًّا تنازليًّا جديدًا على الساحة اللبنانية، عنوانه اختبار قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها، وفي مقدّمتها ملف حصرية السلاح شمال نهر الليطاني.

وبحسب ما أفادت مصادر دبلوماسية أمريكية مطّلعة "إرم نيوز"، فقد أُبلغت بيروت خلال الساعات الماضية أن واشنطن لا تتجه في المدى المنظور إلى تصعيد مع إيران، لكنها في المقابل تعتمد مقاربة مختلفة تقوم على تحقيق "نتائج مرحلية قابلة للقياس" في الساحات المرتبطة بها. 

وفي هذا الإطار، بات لبنان أولوية مستقلة، باعتباره ساحة يُفترض ضبطها لمنع توسّع المواجهة الإقليمية.

أخبار ذات علاقة

عناصر مسلحة من ميليشيا حزب الله

بين السلاح والتهديد الخطابي.. حزب الله يخطط لفرض واقع سياسي جديد في لبنان

رسائل غير معلنة

توضح المصادر أن هذا التحوّل يفسّر تشديد الرسائل غير المعلنة إلى الحكومة اللبنانية بضرورة تقديم خطوات عملية في ملف شمال الليطاني قبل نهاية الربع الأول من العام. 

ولفتت إلى أن إنجاز جنوب الليطاني أعاد صياغة النظرة إلى قدرة الدولة اللبنانية على العمل الميداني، مشيرةً إلى أن هذا الإنجاز يُنظر إليه كدليل عملي على إمكانية توسيع نموذج الضبط، ضمن شروط واضحة تتعلق بالقرار السياسي، والقيادة العسكرية، والانضباط التنفيذي.

أخبار ذات علاقة

جنود من الجيش اللبناني

الجيش اللبناني يعلن دخول المرحلة الثانية من خطة نزع سلاح حزب الله

المؤتمر الدولي لدعم الجيش

هذا الضغط الزمني يتقاطع مع التحضيرات الجارية لعقد المؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية في باريس مطلع آذار المقبل، الذي تنظر إليه العواصم المعنية باعتباره اختبارًا للجدية اللبنانية. 

الدعم، وفق مصادر دبلوماسية، بات مشروطًا بإشارات تنفيذية واضحة، حتى لو كانت تدريجية، تتيح للمجتمع الدولي تسويق فكرة تعزيز سلطة الدولة مقابل ضبط السلاح غير الشرعي.

وأكدت المصادر الأمريكية أن المرحلة الراهنة بالنسبة لواشنطن تقوم على مبدأ بسيط "ما نُفّذ جنوب النهر يُفترض أن يُستكمل شماله، ضمن جدول متابعة محدد، ومعايير تقاس بالانتشار، وضبط المواقع، ومنع إعادة التموضع المسلح".

وتشرح المصادر أن الإدارة الأمريكية تعتمد منذ مطلع العام مقاربة تقوم على الضغط الزمني المنضبط، من دون الاقتراب من أي تهديدات معلنة. 

وتضيف أن الحكومة اللبنانية أُبلغت بأن مرحلة تبرير التعقيدات الداخلية لم تعد مطروحة، بعد أن أثبتت الدولة قدرتها على فرض حضورها في منطقة حساسة ومعقدة مثل جنوب الليطاني.

حدود الوساطة الداخلية

في المقابل، لا تخفي مصادر سياسية لبنانية خلال حديثها لـ"إرم نيوز" أن الحكومة تواجه معضلة مركّبة، فهي من جهة ملتزمة بتعهداتها الدولية، ومن جهة أخرى تدرك حساسية الذهاب سريعًا في ملف شمال الليطاني من دون تفاهمات داخلية. 

أخبار ذات علاقة

زعيم حزب الله نعيم قاسم

تهديدات قاسم.. حزب الله يطرح "ورقته الأخيرة" لإرباك خطة شمال الليطاني

لذلك يبرز رهان متزايد على دور رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في إدارة هذه المرحلة، ليس فقط كوسيط داخل "الثنائي الشيعي"، بل كضامن لخفض التوتر ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

هذا الرهان يصطدم بسقف واضح لدى حزب الله، الذي لا يزال يصرّ على إبقاء شمال الليطاني ضمن إطار الإستراتيجية الدفاعية، رافضًا أي جدول زمني ملزم، وهو موقف لا يحظى بالقبول غربيًّا أو عربيًّا أو محليًّا.

من حصر الجنوب إلى اختبار الشمال

هذا التباين الداخلي يترافق مع قلق متصاعد من المسار الإسرائيلي، فبحسب مصادر أمنية متابعة، فإن الضربات الجوية التي نفذها الجيش الإسرائيلي أخيرًا خارج جنوب الليطاني، مع تحذيرات مسبقة، تحمل دلالة تتجاوز الرسائل التكتيكية.

ويعكس ذلك استعداد إسرائيل لتوسيع هامش تحركها الجغرافي، في حال استمر الجمود السياسي، وفرض وقائع أمنية جديدة تُستخدم كوسيلة ضغط لدفع لبنان نحو القبول بالتسوية المقترحة دوليًّا. 

وتشير المصادر إلى أن هذا السيناريو يحظى بتفهم أمريكي ضمني، طالما يجري تحت عنوان منع تعاظم قدرات التنظيمات المسلحة، ومن دون الانجرار إلى حرب شاملة.

بدورها أوضحت المصادر السياسية اللبنانية أن إنجاز حصر السلاح جنوب الليطاني خلق سابقة لا يمكن القفز فوقها، فقد أثبت الجيش قدرته على الانتشار وضبط الأرض، وأثبتت الحكومة قدرتها على تحمّل كلفة القرار.  

أخبار ذات علاقة

عناصر من حزب الله

شمال الليطاني "تحت النار".. هل يستعد حزب الله لما بعد "انهيار" إيران؟

هذا الواقع وضع سلاح الحزب شمال الليطاني في موقع مختلف، حيث لم يعد يُنظر إليه كمعطى ثابت، بل كملف مطلوب التعامل معه بآليات تنفيذية، دون أي تفاهمات مفتوحة.

كذلك تشير المصادر إلى أن الاتصالات الدولية الجارية مع مختلف الأطراف لا تتضمن أي إشارات إلى منح استثناءات، حيث ينصب التركيز على التوقيت، وآليات الانتشار، وضمان عدم تفريغ الخطوات من مضمونها.

اختبار استمرارية الضبط الأمني

من جانبه يَعتبر جان-لويس مورو، المحلل السياسي الفرنسي المختص في الشؤون السياسية والأمنية، خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن ما يهم العواصم الغربية اليوم في لبنان هو ما إذا كانت الدولة قادرة على منع تحوّل هذا السلاح في شمال الليطاني إلى عنصر تعطيل دائم. 

ومن وجهة نظره، فإن النقاش حول الشرعية أو التوازنات لم يعد جزءًا من الحسابات.

مورو يشرح أن ما جرى جنوب الليطاني غيّر طريقة التعامل مع الدولة اللبنانية، حيث لم يعد هناك افتراض مسبق بعدم القدرة على التنفيذ. 

هذا التحوّل جعل الأنظار تتجه تلقائيًّا إلى شمال الليطاني، باعتباره المساحة التالية التي ستُختبر فيها قدرة الدولة على ضبط الوضع، عبر إدارة يومية هادئة.

وبرأيه، فإن السلاح غير الشرعي سيبقى يُنظر إليه غربيًّا على امتداد الأراضي اللبنانية كعامل يضع لبنان في حالة توتر دائم، ويصعّب أي جهد لدعم الدولة ماليًّا أو سياسيًّا. 

لهذا السبب، لا يوجد اهتمام خاص بإنتاج تفاهمات جديدة مع حاملي السلاح، بل تركيز على تقوية المؤسسات الرسمية كي تصبح المرجع الوحيد على الأرض. 

ويقول مورو إن هذا المسار لن يحمل أي طابع بالمواجهة، لكنه لا يترك مجالًا واسعًا للمراوحة.

بين ضغط التنفيذ وحدود المناورة

بدوره، رأى المحلل السياسي اللبناني، فارس صلوح، خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن ملف شمال الليطاني بات ينُظر إليه كمسألة إدارة أمنية لها كلفة مباشرة على الدولة. 

أخبار ذات علاقة

أنصار حزب الله اللبناني

شمال الليطاني.. عقدة قد تشعل شرارة الحرب الحتمية في لبنان

 الحكومة تحت الضغط

ويقول إن "وجود السلاح في هذه المنطقة يضع الحكومة تحت ضغط مستمر، ويُبقي الوضع مفتوحًا على احتمالات أمنية غير محسوبة".

وأكد صلوح أن سلاح حزب الله لم يعد يملك الدور نفسه الذي كان له سابقًا، موضحًا أن "وجوده شمال الليطاني لا يمنحه نفوذًا إضافيًّا، بل يضعه في موقع دفاعي، لأن أي توتر أو حادث يُحمَّل تلقائيًّا لهذا السلاح، سواء أكان متورطًا مباشرة أم لا. وهذا الواقع يجعل السلاح عبئًا سياسيًّا وأمنيًّا، لا أداة تأثير".

وبرأيه، فإن الحكومة اللبنانية تدرك هذا الأمر، لكنها تتحرك ضمن هامش ضيق، وإن "ما تحقق جنوب الليطاني أعطاها سابقة عملية، لكنه في الوقت نفسه رفع سقف التوقعات. وأي تأخير في الشمال يُفسَّر خارجيًّا كقرار سياسي، وداخليًّا كعجز؛ ما يضع الدولة في موقع ضعيف أمام الضغوط الأمنية والمالية".

وأضاف صلوح أن حزب الله يعرف حدود اللحظة الحالية، حيث لا قدرة لديه على فرض مسار مختلف، ولا مصلحة له في فتح مواجهة مفتوحة.

ويقول: "الخيار المتاح هو إدارة الوقت، لكن هذه الإدارة لها كلفة تتراكم. كل يوم يمر من دون معالجة فعلية يعمّق مأزق الدولة، ويزيد عزلة الحزب".

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC