يرى خبراء عسكريون أن التصعيد الإسرائيلي الراهن الذي يستهدف شمال نهر الليطاني يمثل سباقاً مع الزمن لفرض واقع ميداني "ناري" يسبق نضوج الدعم الدولي للجيش اللبناني في مؤتمر باريس المرتقب في 5 آذار/ مارس المقبل؛ بهدف دعم قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الانتشار وحصر السلاح.
ويشير محللون إلى أن هذا الضغط العسكري المتزايد يضع الحكومة اللبنانية أمام خياري "المواجهة أو التسوية"؛ فإما أن تتحوّل الهجمات إلى قوة دفع دولية لتسريع الترتيبات الأمنية وإغلاق الملف إقليمياً عبر الضغط على طهران، أو تنجح تل أبيب في جر البلاد إلى استنزاف داخلي يعطل مهام الجيش ويفرغ مؤتمر الدعم من أهدافه اللوجستية والسيادية.
وفي هذا السياق، يقول الخبير العسكري والاستراتيجي، سعيد القزح، إن التصعيد الإسرائيلي مستمر منذ أكثر من عام، لكن الذي يمكن أن يمنع خطة انتشار الجيش اللبناني شمال الليطاني هو تعنت حزب الله، وعدم السير وفق خطة الدولة لبسط سلطتها على الأراضي اللبنانية كافة، وحصرية السلاح بيد القوى الشرعية اللبنانية.
وأضاف القزح لـ "إرم نيوز" أن استمرار حزب الله بتلقي الأوامر من الحرس الثوري الإيراني من دون امتلاك حرية القرار، يمكن أن يعطل خطة الجيش في المرحلة الثانية، ويجلب اعتداءات إسرائيلية أعنف تمتد لتشمل كامل الأراضي اللبنانية، خاصة المناطق التي تضم بنى تحتية وعسكرية ومخازن للذخيرة تابعة للحزب.
وأوضح القزح أن الأمر متوقف على ما يدور حالياً في إيران، فإذا استمر النظام الإيراني في نهجه، ولم يخضع للإرادة الأمريكية التي طالبت بفك تحالفه مع "الأذرع" التي رعاها، سيبقى حزب الله متعنتاً، وهذا ما سيؤدي إلى حرب جديدة تطال بعلبك والهرمل وإقليم التفاح والنبطية والضاحية الجنوبية.
وأشار إلى أن المناطق التي استُهدفت بالقصف الأسبوع الماضي في البقاع الغربي تضم قرى تحتضن حزب الله، وتعد امتداداً جغرافياً لمنطقة جنوب الليطاني.
وبيّن أنه طالما ظلت عقدة إيران مهيمنة على قرار حزب الله، فإن ذلك سيجر الويلات على لبنان، معتبراً أن هذا الارتباط لن يُفك إلا بسقوط النظام الإيراني، ولذلك فإن حالة التعنت الحالية متوقعة وهي التي ستمهد لعملية عسكرية قوية وموسعة.
من جانبه، يقول الأمين العام للجمعية العربية للعلوم السياسية، الدكتور حسان الأشمر، إن التصعيد الإسرائيلي في لبنان أصبح روتيناً يومياً في ظل عدم قدرة الدولة اللبنانية على التصدي لهذه الاعتداءات، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو الدبلوماسي.
ولفت الأشمر في حديثه لـ"إرم نيوز" إلى أن الأطر السياسية والأمنية التي شُكلت كـ "الميكانيزم" لم تتمكن من أداء دورها المنوط بها جنوباً، ولذلك يتصاعد الضغط الإسرائيلي تدريجياً لتحقيق مطالب سياسية وأمنية يمكن أن تخدم إسرائيل.
واستطرد قائلاً إنه على الرغم من إنجاز الجيش اللبناني مهامه في جنوب الليطاني، فإن إسرائيل لم تقر بهذا العمل، ولا تزال تعتبر أن عملية نزع السلاح في تلك المنطقة لم تُنجز بعد.
وذكر أن إسرائيل تضغط الآن باتجاه شمال الليطاني، وهو ما فسر الغارات المتكررة أخيراً، في محاولة لإجبار الحكومة والجيش اللبناني على إعلان البدء بتنفيذ المرحلة الثانية شمال نهر الليطاني وتحديد مهل زمنية لها.
وشدد الأشمر على أنه أمام هذا الواقع، بات من الصعب على الحكومة تقديم المزيد من التنازلات وإطلاق المرحلة الثانية، في ظل عدم تنفيذ إسرائيل أيا من موجبات القرار 1701، وإعلان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو ومسؤولين آخرين، بوضوح، أنه غير ملزم بالانسحاب أو وقف الاعتداءات.
ونوّه إلى وجود حرج حقيقي لدى الحكومة اللبنانية بأن تخطو نحو المرحلة الثانية، معتبراً أن مؤتمر باريس المزمع عقده في 5 مارس المقبل قد يكون بمثابة المكافأة للحكومة والجيش في حال أعلن عن مهل تنفيذ المرحلة الثانية.
ورأى أن هناك ربطاً واضحاً بين مؤتمر دعم الجيش وبين الإعلان عن مهل المرحلة الثانية لتشجيع الحكومة والجيش، مؤكداً أنه في حال تلكأت الدولة اللبنانية، فإن نتائج مؤتمر باريس لن تكون بالشكل المرجو، مما سيبقي الجيش في حالة ضعف لوجستي وبشري.
وحذّر الأشمر من أن أي تفكير للحكومة بالذهاب نحو المرحلة الثانية من دون ضمانات قد يُدخل البلاد في مشاكل داخلية بين الجيش وبعض الفئات في لبنان، باعتبار أن الحكومة تقدم ما لديها، في حين لم تحصل على أي مقابل يحفظ أرواح اللبنانيين أو سلامة أراضيهم.
وتابع أن الخطورة تكمن في تنفيذ المرحلة الثانية في ظل عدم انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وانتهاك الأجواء اللبنانية والعدوان المستمر على مختلف المناطق من الجنوب إلى البقاع الغربي والبقاع الشمالي وحتى في بعض الأحيان إلى الضاحية الجنوبية.
وقال الأشمر إن لبنان أمام مرحلة سيزيد فيها الضغط الإسرائيلي والأمريكي على الحكومة اللبنانية، التي تجد صعوبة في تبني هذه المطالب أمام الشعب اللبناني في ظل الانتكاسات المتكررة على الأرض.
واختتم الأشمر حديثه بالإشارة إلى أن السيناريوهات المتوقعة مرتبطة بما يجري في الإقليم وتحديداً مصير النظام في إيران؛ فنجاح سيناريو تغيير النظام يعني أن هناك تغييرات جذرية في لبنان وربما الذهاب إلى طائف جديد.
أما إذا صمدت إيران، فسيذهب لبنان نحو تسويات داخلية وأمنية مع الولايات المتحدة، يقبل بها وتوافق عليها إسرائيل، كالاكتفاء بالحديث عن منطقة عازلة على الحدود ونزع السلاح في الجنوب، بانتظار نتيجة المعركة الكبرى في الإقليم التي ستحدد مستقبله، بحسب الأشمر.