قال خبراء ومحللون في الشأن اللبناني، إن العلاقة المعقدة بين الدولة اللبنانية وميليشيا حزب الله تمر باختبار مفصلي، حيث تستخدم الميليشيا مزيجاً من "السلاح والتهديد الخطابي" لفرض واقع سياسي جديد يمنع انزلاق نفوذه أمام محاولات الدولة لاستعادة سيادتها.
ويرى محللون أن التدرج في خطاب الحزب من الوعيد إلى التلويح بالحرب الأهلية يعكس محاولة استباقية لإعادة التموضع كقوة فاعلة مهيمنة، خاصة في ظل المتغيرات الميدانية والضغوط الدولية التي تهدف إلى حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية.
وتشير المعطيات إلى أن سبب هذا التصعيد حالة من الإنكار السياسي التي يعيشها الحزب حيال تراجع قدرته على ضبط المسار العام كما في السابق؛ ما يدفعه لربط أي تنازل أمني أو عسكري بانتزاع مكاسب دبلوماسية من المجتمع الدولي.
وقال المحلل السياسي، أمين بشير إن العلاقة بين الدولة وحزب الله لا تندرج ضمن إطار "خصم مقابل خصم" مباشر، بل هي إطار يحتاج إلى ضبط دقيق، ولأجل ذلك لوحظ أن خطاب الحزب يأتي متدرجاً من التهديد إلى الوعيد وصولاً إلى التلويح بحرب أهلية، مشيراً إلى أن الحزب يدرك في الوقت ذاته أن سقوط هذه الدولة لن يعني سقوط لبنان وحده بل سيعني سقوطه هو أيضاً.
وأضاف بشير لـ "إرم نيوز" أن التعاطي مع الدولة لا يزال يندرج كما في السابق وفق اعتقاد الحزب بأنه لا يزال يسيطر عليها، في وقت تسعى الدولة اللبنانية جاهدة لنزع هذه السيطرة، وذلك في مقابل تعنته بالتمسك بزمام الأمور وعدم اعترافه بتراجع قدرته على ضبط المسار كما كان عليه الحال في سنوات خلت.
وأوضح بشير أن ما يمارسه حزب الله حالياً هو مجرد محاولات لإعادة تموضعه كقوة فاعلة، خاصة بعد فقدانه الكثير من قدراته، وذلك عبر اتباع مسار يهدف إلى ضبط الدولة.
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي، غسان ريفي إنه منذ إعلان وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، التزم حزب الله مع الدولة اللبنانية بوقف أي عمل عسكري ضد إسرائيل بانتظار ما يمكن أن تقوم به الدولة في الضغط على المجتمع الدولي والولايات المتحدة لدفع إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة شرط ألا يكون هناك أي عمل عسكري وأن تتولى الدولة اللبنانية وحدها مسار الدبلوماسية.
وأضاف ريفي لـ "إرم نيوز" أنه مع انتخاب رئيس الجمهورية كان هناك خطاب القسم الذي وضع سلسلة أولويات تبدأ بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، وصولاً إلى حصرية السلاح بيد الدولة ووضعه ضمن استراتيجية دفاعية وأمنية تحت سلطتها.
وأوضح ريفي أنه بعد 14 شهراً من إعلان وقف إطلاق النار لم تتمكن الدولة اللبنانية من دفع إسرائيل إلى القيام بأي خطوة إيجابية، بل على العكس هي من قدمت خطوات عدة إيجابية من الالتزام بوقف إطلاق النار وحصرية السلاح في جلستي 5 أغسطس/ آب الماضي و5 سبتمبر/ أيلول، وأيضاً تعيين مدني في لجنة الميكانيزم، مع قيام الجيش بتنفيذ خطة حصرية السلاح في جنوب الليطاني.
وأشار إلى أن هذه المرحلة الأولى اليوم هي المفصل؛ لأنها يجب أن تتضمن مع حصرية السلاح وانتشار الجيش الانسحاب الإسرائيلي ووقف العدوان، وهذا الأمر لم يحصل رغم أن الحكومة اللبنانية تروج للمرحلة الثانية في شمال الليطاني، وهو الأمر الذي يرفضه حزب الله الذي يعتبر أن البدء بهذه المرحلة دون انسحاب إسرائيل الكامل ووقف الاعتداءات يعتبر تشريعاً لهذا الاحتلال.
وأكد ريفي أن ما يريده حزب الله هو أن تمارس الدولة اللبنانية الدبلوماسية بشكل حِرفي أكثر لكي تتمكن من الضغط على المجتمع الدولي لدفع إسرائيل لتنفيذ بعض الإيجابيات مقابل ما نفذه لبنان.
ولفت ريفي إلى أن حزب الله يعترض بشكل كامل على أي مرحلة جديدة أو أي تنازل أو أي تعاط إيجابي جديد مع إسرائيل إذا لم تكن هناك خطوة إيجابية تتمثل بوقف العدوان، مشيراً إلى أن لبنان في حرب مستمرة، وسط عدم تمكن الدولة اللبنانية من الوصول إلى أي صيغة تحمي لبنان، لذلك بدأ الحزب يرفع الصوت ويهدد بأنه لن يسكت عن استمرار هذا العدوان.