تحاول حركة حماس العمل على إضعاف وتفكيك ظاهرة تشكل ميليشيات مسلحة في مناطق عدة من قطاع غزة، مدعومة من إسرائيل، لتبدأ صداما عسكريا معها ضمن محاولات لاستعادة السيطرة الأمنية على القطاع.
واندلعت اشتباكات بين مسلحين من مجموعة تطلق على نفسها اسم "قوة الدفاع الشعبي" ومسلحين من حماس شرق حي التفاح بمدينة غزة، في حين تواصل المجموعات المسلحة تهديداتها للحركة.
وتنتشر في قطاع غزة خمس ميليشيات مسلحة رئيسة، تشترك جميعها في العداء لحماس وإعلان الاستعداد لقتالها؛ ما جعل الحركة أمام واقع وحسابات ميدانية معقدة، في الظاهرة التي تشكلت لأول مرة خلال الحرب على غزة.
ويرى المحلل السياسي هاني العقاد أن ما حدث ليس سوى البداية، مشيرا إلى أن إسرائيل تحاول دفع ميليشيات وجماعات داخل غزة نحو الصدام مع حماس، بهدف تفكيك قوتها والقضاء على سلاحها وأفرادها.
وقال العقاد لـ"إرم نيوز": "استمرار هذا النهج قد يُعقّد الدخول في المرحلة الثانية من التفاهمات السياسية، وأي اقتتال داخلي ستقوم إسرائيل بتفسيره على أنه نتيجة لسيطرة حماس، وهو ما قد يؤثر على الموقف الدولي تجاه مستقبل القطاع".
وأضاف العقاد: "استمرار هذه الأحداث قد يُضعف فرص نشر قوة دولية للاستقرار في قطاع غزة"، موضحا أن "هذه القوة ليست مهمتها مواجهة حماس، وإذا بدا أن هناك اقتتالا داخليا، فقد تتراجع بعض الدول عن المشاركة فيها".
وتابع: "إسرائيل من جهتها لن تسمح بوجود قوة شرطية فلسطينية تابعة للسلطة الوطنية ضمن حكومة تكنوقراط تتولى الأمن في غزة".
ووصف العقاد ما يحدث بأنه "إنذار خطير وغير مريح، لا للمواطن الفلسطيني ولا للسياسي".
وقال إن "اقتتال الفلسطينيين فيما بينهم هو كارثة يجب تجنّبها بأي شكل"، محذرا من اتساع رقعة الاشتباكات لتطال مناطق أخرى مختلفة.
وأضاف: "إسرائيل تسيطر فعليا على القطاع، لكنها تسعى لتمكين ميليشيات محلّية من السيطرة، كبديل عن أي قوة شرطية تتبع حكومة تكنوقراط، أو أجهزة أمنية تابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، وحتى كبديل عن التفاهمات المنبثقة عن اتفاق شرم الشيخ".
من جانبه، يرى المحلل السياسي باسم أبو العطايا أن قطاع غزة ما زال يعيش حتى الآن حالة من الفلتان الأمني، مستدركا: "لكنها لا ترتقي إلى مستوى الاشتباك المسلح أو الخروج عن القانون، ولا يمكن وصفها بالحرب الأهلية".
وقال لـ"إرم نيوز": "أجهزة أمن حماس ما زالت تعمل بالحد الأدنى من قدراتها، لكن انتشار السلاح، الذي لم يعد موجهاً فقط نحو إسرائيل، سمح بظهور مجموعات مسلحة وبعض العائلات التي لجأت إليه لتصفية خلافات وثأر قديم".
وأضاف أبو العطايا: "ما حدث في حي التفاح قد يشكل جرس إنذار مبكر، ورسالة من تلك العناصر بأن هذا الواقع لا يمكن تركه على حاله، حتى لا تتوسع الظاهرة وتنتقل إلى مناطق أخرى".
وأوضح أن "هناك إمكانية أن يكون لإسرائيل دور في تغذية هذا المشهد، ضمن محاولاتها المستمرة لفرض واقع أمني غير مستقر في غزة، بما يخدم سياساتها ونظرياتها الأمنية".
وقال أبو العطايا إن "إسرائيل ضليعة بشكل مباشر في تغذية هذا المشهد، من خلال إيصال أسلحة حديثة لبعض المجموعات داخل القطاع، بهدف إشعال فتنة داخلية وخلق حالة من الفوضى، حتى بين عناصر كانت تعمل سابقا ضمن القوة الشرطية التابعة لحكومة حماس".
وبيّن أن "دلالات ما حدث تعكس غيابا واضحا للقوة الشرطية والنظام والقانون؛ ما قد يؤدي مستقبلاً إلى حالة (شريعة الغاب)، إن لم يتم تدارك الأمر"، داعيا إلى الإسراع في إعادة بناء النظام السياسي في القطاع، وإيجاد إدارة فاعلة تفرض القانون وتمنع اتساع دائرة الفوضى.