يرى خبراء أن إسرائيل باتت ترسخ معادلة حرية العمل العسكري ضد الفصائل الفلسطينية المسلحة، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة ولبنان، لتكريس معادلات أمنية جديدة تمنع تعافي هذه الفصائل وترميم قدراتها البشرية والعسكرية.
وبعد أن شكّل النموذج اللبناني سابقة في استمرار الضربات رغم التهدئة، يتكرر المشهد في قطاع غزة عبر ما يُعرف بإستراتيجية الضربات المتحركة التي ترتكز على التفوق الجوي، ومنع إعادة بناء أي قدرات عسكرية.
وبينما يرى محللون أن الهدف في لبنان يتركز على تحجيم السلاح الثقيل ودفعه إلى ما وراء الليطاني بالنسبة لميليشيا حزب الله، ومنع الفصائل الفلسطينية من أيّ محاولات لفتح جبهات إضافية، يتجاوز المسعى في غزة حدود الضغط والردع إلى محاولة التفكيك الكامل ونزع السلاح الشامل.
ويرى المحلل السياسي طلال أبو ركبة أن إسرائيل، ومنذ بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، شرعت في فرض معادلة أمنية جديدة تتيح لها حرية التصرف عسكريًّا في قطاع غزة وفق ما تعتبره مقتضيات أمنها.
ويقول أبو ركبة لـ"إرم نيوز": "هذه المعادلة تُترجم ميدانيًّا عبر عمليات مركزة تنفذها إسرائيل بين فترة وأخرى، تشمل استهداف عناصر من الفصائل المسلحة، إضافة إلى توسيع ما يُعرف بـ(المنطقة الصفراء) أو الخط الأصفر باتجاه مناطق غرب القطاع، بما يفضي عمليًّا إلى إضعاف الفصائل الفلسطينية".
ويضيف أن "الفصائل المسلحة، بعد خسارتها الورقة الإستراتيجية الكبرى والمتمثلة في ملف الرهائن، باتت عاجزة عن فرض معادلة مضادة أو الحفاظ على توازن الردع الذي كان قائمًا قبل السابع من أكتوبر، في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي، ولا سيما الجوي".
ويشير إلى أن إسرائيل نجحت إلى حد كبير في تجنب الانخراط في حرب عصابات طويلة الأمد، معتمدةً على الضربات الجوية والمعادلة الجوية لتقليص كلفة المواجهة، وأنه حتى في الحالات التي شهدت اشتباكات ميدانية، لم تكن بالثقل المتوقع على الجانب الإسرائيلي، كما تمكنت من التمدد داخل القطاع، والسيطرة على مناطق واسعة، وتفكيك جانب مهم من بنية الفصائل.
ويقول المحلل السياسي الفلسطيني أن "إسرائيل، بعد وقف إطلاق النار، تسعى إلى استكمال تصفية القدرات الأمنية الفلسطينية، خصوصًا قدرات الفصائل، ومنعها من امتلاك أي قدرة على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي".
ويؤكد أن "هذا النهج يحظى بمباركة أمريكية واضحة، وأن التحركات الإسرائيلية في غزة ولبنان تسير وفق مسار متشابه، من دون ضغوط حقيقية لفرملة السلوك الإسرائيلي، بل في ظل ما يصفه بضوء أخضر أمريكي للعملية الأمنية".
ويشير إلى أن "الهدف من الضربات المتحركة في غزة هو التفكيك الكامل والشامل لبنية الفصائل، بينما يقتصر الهدف في لبنان على الضغط باتجاه نزع السلاح الثقيل جنوب الليطاني؛ ما يعكس اختلافًا في سقف الأهداف بين الساحتين".
ويختم أبو ركبة بالقول: "المؤشرات حتى الآن توحي بتحقيق إسرائيل نجاحات كبيرة، لكنها لم تصل إلى تحقيق أهدافها بصورة كاملة؛ إذ لا تزال الفصائل في غزة تمتلك قدرات قادرة على إلحاق الأذى، كما لا يزال في لبنان منصات وقواعد عسكرية تابعة لحزب الله تمثل عنصرَ تهديدٍ؛ ما يعني أن مسار الحسم لم يُستكمل بعد".
بدوره، يرى المحلل السياسي إياد جودة، أن إسرائيل تدفع بكل قوة، وبجميع الأدوات التي تمتلكها، نحو فرض وقائع ميدانية لا يمكن تجاوزها أو التغاضي عنها، وأن هذا الواقع بدأ يتشكل في مرحلته الأولى في بيروت، مع التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار تضمّن إخراج حزب الله إلى ما بعد نهر الليطاني.
ويقول جودة لـ"إرم نيوز" إن "ما جرى في لبنان كان مؤشرًا مبكرًا لِما يمكن أن يحدث في قطاع غزة وأنه سبق التحذير من أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار مع الفلسطينيين سيجري توظيفه إسرائيليًّا لتحويل غزة إلى نموذج لبنان 2، وأن ما يحدث حاليًّا يعكس هذا التوجه، إذ تسعى إسرائيل إلى تكريس واقع يمكّنها من التحرك عسكريًّا في القطاع في أي وقت، مستندة إلى ذرائع تتعلق بوجود تهديدات أو خروقات للاتفاق".
ويضيف، "إسرائيل تعتمد في هذا السياق على إستراتيجية الضربات المتحركة من خلال استخدام القوة الجوية بشكل أساسي لتحييد الأهداف على الأرض، ومنع إعادة بناء أي قدرات عسكرية أو إستراتيجية، مهما كان حجمها". ويشير إلى أن هذا النهج لا يقتصر على غزة ولبنان، بل يمتد أيضًا إلى الساحة السورية، حيث تحاول إسرائيل فرض معادلة ميدانية مشابهة.
ويؤكد جودة أن الفارق الجوهري بين غزة ولبنان يكمن في الطبيعة الجغرافية، موضحًا أن قطاع غزة أرض منبسطة ومكشوفة بالكامل؛ ما يجعلها أكثر ملاءمة لاستخدام القوة النارية الدقيقة، في ظل مراقبة جوية مستمرة عبر طائرات الاستطلاع وأن انبساط الأرض يسهّل على إسرائيل تحديد الأهداف وتنفيذ ضربات أكثر دقة.
ويشير إلى أن الجغرافيا اللبنانية أكثر تعقيدًا، نظرًا لوجود الهضاب والجبال؛ ما يفرض تحديات أكبر مقارنة بغزة، إلا أنه يلفت إلى أن "التطور التكنولوجي الذي تمتلكه إسرائيل يقلص أثرَ هذه الصعوبات، وأن الشواهد الميدانية تدل على استمرار النهج نفسه في مختلف الساحات".
ويؤكد جودة أن "الهدف الإستراتيجي من الضربات المتحركة يتمثل في ترسيخ صورة إسرائيل كصاحبة اليد العليا، إلى جانب السعي إلى تجريد الفصائل من سلاحها وأن هذا الهدف يُستخدم أيضًا كذريعة لإدامة العمليات العسكرية سواء في غزة أو في لبنان".
ويختم بالقول، إن "ملف السلاح سيبقى قضية شائكة وطويلة الأمد في كلتا الساحتين، مرجحًا استمرار إسرائيل في هذا النهج، خاصة في ظل ما يعتبره نجاحات ميدانية تحققها، مع إصرارها على إنهاء أي ظاهرة أو حالة تراها مهددة لها".