وسّعت إسرائيل دائرة هجماتها في لبنان، لتشمل حركة الجهاد الإسلامي بالتوازي مع مواصلة ضرباتها ضد ميليشيا حزب الله والحركات الأخرى، في خطوة تعكس تثبيت معادلة التصعيد المنضبط من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
ووفق متخصصين في الشأن الإسرائيلي، تندرج هذه العمليات في إطار عقيدة عسكرية إسرائيلية تقوم على الضربات الاستباقية ومنع إعادة بناء القدرات لدى الخصوم، ولا سيما في ظل مخاوف من اتساع أي مواجهة إقليمية محتملة مع إيران، وما قد يرافقها من فتح جبهات مساندة من لبنان.
وبين حسابات الردع واستهداف الحركات الإسلامية يبدو أن قراراً إسرائيلياً محسوماً لجهة اتباع سياسة "جز العشب" وإدارة الصراع عبر الاستنزاف المحدود، بما يخدم أهدافاً أمنية خارجية وحسابات سياسية داخلية معاً.
وفي هذا السياق، قال الخبير في الشؤون الإسرائيلية، نظير المجلي: إن الهجوم على الجهاد الإسلامي في لبنان يندرج ضمن المخطط الإسرائيلي للتصعيد إزاء لبنان، لافتاً إلى أنه كما هو معروف، لم تسمح الولايات المتحدة لإسرائيل بإعلان حرب ثانية على لبنان في الوقت الحاضر، لكنها أتاحت لها توجيه ضربات ضمن بنك أهداف، أهم ما فيه أن يبقى الوضع مشتعلاً في لبنان.
وأضاف المجلي لـ "إرم نيوز" أن هذا التوجه يخدم، من وجهة نظر إسرائيل، مسار الصراعات الداخلية ضد حزب الله، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي من هذه الضربات هو منع الحزب في المستقبل القريب كما تتوقع تل أبيب، إلى حرب محتملة إلى جانب إيران، ولا سيما بعدما خلصت طهران، عقب حرب الـ 12 يوماً، إلى أن عدم مشاركة أذرعها في المواجهة السابقة كان خطأً وأنه كان يجب تفعيل كل الأذرع معاً.
وأوضح المجلي أن إسرائيل تتوقع احتمال توجيه ضربة لإيران يقابلها رد إيراني؛ ما يدفعها إلى اعتماد سياسة الضربات الاستباقية ضمن العقيدة الجديدة للجيش الإسرائيلي، التي تبلورت بعد أحداث السابع من أكتوبر، ومفادها أنه "لا ينبغي انتظار العدو حتى يقصف، بل يجب استباقه وتوجيه الضربة الأولى".
وأشار إلى أن الغارات القاسية ضد حزب الله تأتي بهدف شل حركته في حال اندلاع حرب، ويبدو أن الحزب يدرك ذلك، وهو ما يفسر إلى جانب اعتبارات أخرى، امتناعه عن الرد؛ ما يجعل الضربات الإسرائيلية اليومية على الحزب وعلى الحركات الإسلامية الأخرى في لبنان تمر دون أي رد فعل مباشر.
وبيّن المجلي أن هناك ما وصفه بعملية اصطياد إسرائيلية لكل من تستطيع الوصول إليه من القيادات الكبرى والوسطى والميدانية، مستندة بحسب تقديره إلى مخزون معلوماتي جدّي، وشبكات تجسس ووسائل متعددة تمكنها من تعقب أهدافها، ولذلك تنفذ ضربات مركزة وعمليات اغتيالات بحق أشخاص بعينهم، مع إعلان أسمائهم قبل الإعلان في مكان الاغتيال.
ولفت إلى أن هذا الأسلوب يبقي لهيب الحرب مشتعلاً، وفي الوقت ذاته يخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في معركته الداخلية، إذ يخفف ولو نسبياً من وطأة هجوم المجتمع الإسرائيلي عليه أكان ذلك من المعارضة السياسية أو من الإعلام أو حتى من بعض قوى اليمين داخل إسرائيل.
واختتم المجلي حديثه بالتأكيد أن ملاحقة الجهاد الإسلامي وكافة الحركات المسلحة وحزب الله هي للتغطية على المعارك الداخلية في إسرائيل وسفر نتنياهو إلى واشنطن وتحذير من هجمات مشابهة لهجوم 7 أكتوبر وغير ذلك.
ومن جانبه، رأى الخبير في الشؤون الإسرائيلية عصمت منصور أن توسيع دائرة الاستهداف لم يعد يقتصر على حزب الله، بل شمل حماس والجهاد الإسلامي وجماعات إسلامية أخرى، بهدف منع هذه القوى من استعادة قدراتها العسكرية.
وأضاف منصور لـ "إرم نيوز" أن سياسة عدم التمكين أوما يعرف باسم عملية "جز العشب" المتواصلة، ترمي إلى تقليص مستوى التهديد في أي مواجهة عسكرية محتملة، سواء مع إيران أو لبنان، بحيث تبقى القوات المستهدفة في وضع قتالي أضعف.
وأوضح منصور أن هناك عاملاً مستجداً في دور إيران، مع تلويح حزب الله وحلفاء طهران بإمكان فتح جبهات مساندة إذا ما استشعروا خطراً وجودياً يهدد النظام الإيراني في حال اندلاع مواجهة واسعة.
واختتم منصور حديثه بالإشارة إلى أن هذه الملاحقات والضربات تهدف كذلك إلى إحباط أي محاولات تسليح إيرانية جديدة لتلك القوى، بما يبقيها في حالة ضعف تحول دون قدرتها على خوض مواجهة حالية أو مستقبلية، أو إعادة بناء وتشكيل طوق حول إسرائيل.