يتصدر ملف سلاح غزة المشهد السياسي والأمني ليتحول إلى العنوان الأبرز في ملف المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، إذ تستثمر إسرائيل هذه الورقة ضمن مهلة زمنية محسوبة لفرض واقع جديد قبل استحقاقات إقليمية ودولية.
وأصبحت مسألة السلاح وسيلة للمساومة السياسية أكثر من أداة للقتال في ظل ضغوط أمريكية لتثبيت الوضع، ومنع العودة إلى العمليات العسكرية التقليدية، في حين تسعى إسرائيل إما لتجريد حركة حماس عمليًّا من سلاحها، أو الحصول على الضوء الأخضر للعودة إلى الخيار العسكري.
وأمام مهلة إسرائيلية لحماس بنزع سلاحها خلال 60 يومًا، أعلنت الحركة بشكل واضح أنها ترفض نزع سلاحها من جانب واحد؛ ما يضع الوسطاء وفي مقدمتهم الولايات المتحدة أمام حقل ألغام قد يفجر الاتفاق بشكل كامل.
ويرى المحلل السياسي حسين الديك، أن قضية السلاح في غزة أصبحت وسيلة ضغط على حركة حماس، لدفعها لتقديم المزيد من التنازلات، بعد أن أصبحت العودة إلى القتال أو العمليات العسكرية كما كانت في السابق مستبعدة جدًّا، بسبب قرار أمريكي على صعيد الإقليم والعالم، ونتائج المبادرات التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب وعدم التراجع عنها.
ويقول الديك لـ"إرم نيوز" إن "ترامب يعتمد على مقايضة الملفات بين غزة وإيران، حيث يضغط على الحكومة الإسرائيلية لتقديم تنازلات من أجل تسهيل الملف الغزي، مقابل تقديم تنازلات أمريكية بالضغط على إيران وربما توجيه ضربات عسكرية لها؛ ما يجعل العودة إلى القتال التقليدي شبه مستحيلة في المرحلة الحالية".
ويضيف أن "إسرائيل تسعى لوضع حدود دائمة لِما يُعرف بالخط الأصفر فيما تبقى قضية السلاح، التي تمتلكها الحركة، محدودة الأهمية، إذ تضررت معظم مخزوناتها العسكرية وبقيت فقط بعض الأسلحة الخفيفة؛ ما يقلل قوة هذه الورقة كلاعب أساسي في المواجهة".
ويتابع أن "هناك مفاوضات أمريكية-حمساوية تهدف إلى تسليم ملف السلاح مقابل مكاسب سياسية ومدنية وإدارية للعناصر والموظفين والأجهزة الأمنية في قطاع غزة، ضمن ما يعرف باللجنة الإدارية أو لجنة التكنوقراط، وأن هذه العملية تمثل مقايضة سياسية".
ويشير إلى أن الوضع الراهن سيستمر على مبدأ المد والجزر، وأن التغيير الفعلي أو التراجع الحقيقي لن يحصل إلا بعد الانتخابات الإسرائيلية القادمة، سواء كانت في يونيو/حزيران أو في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، مع احتمال مرحلة من الجمود السياسي والاحتراق البعيد، لكنه يرى أن العودة إلى الوراء مستحيلة.
ويقول: "خطة الرئيس ترامب مستمرة تدريجيًّا، رغم أي تعطيلات أو عقبات، ضمن دعم أمريكي وتوافقات إقليمية وعربية ودولية، وحتى إسرائيلية، بهدف إعادة هندسة قطاع غزة وفق رؤية أمريكية، وربط ذلك بمشروع أوسع لتغيير وجه منطقة الشرق الأوسط؛ ما يستحيل تحقيقه في ظل عودة المعارك".
ويختم بأن "العودة للعمليات العسكرية أو القتال المباشر باتت مستبعدة تمامًا، وأن استثمار الورقة الحالية في مسار التفاوض والمكاسب السياسية هو ما يحدد مستقبل قطاع غزة في المرحلة المقبلة".
من جانبه، يرى المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور أن تحديد مهلة زمنية إسرائيلية لنزع سلاح حركة حماس ليس صدفة ولا أمرًا عبثيًّا، بل يأتي في سياق محاولة إسرائيل استباق جملة من الاستحقاقات من بينها الانتخابات، واحتمال التوصل إلى اتفاق أو توجيه ضربة لإيران، إضافة إلى ترتيبات مرتبطة بمجلس السلام والبدء بعملية الإعمار عبر وضع قضية السلاح كأولوية أولى.
ويقول منصور لـ"إرم نيوز" إن "تحديد مهلة زمنية يضع جميع الأطراف أمام إطار محدد، وعدم إنجاز تفاهم خلاله قد يدفع فعليًّا نحو ضربة عسكرية في ظل قناعة إسرائيلية بأن تجريد حركة حماس من سلاحها لا يمكن أن يتم عبر أي جهة أخرى غير إسرائيل نفسها، باعتبار أنها ستماطل وترفض وتحاول الالتفاف على المطلب عبر تقديم تنازل شكلي يُبقي السلاح بيدها بصيغة ما".
ويضيف أن "إسرائيل تذهب عمليًّا بهذا الاتجاه وتسعى للحصول على ضوء أخضر أمريكي للعودة إلى القتال ضمن مخططات يجري إعدادها حاليًّا، حيث يعمل الجيش على تجهيز خطط جديدة مستفيدة من واقع أن المناطق التي تسيطر عليها حركة حماس باتت مكشوفة أكثر، ولا يوجد لدى الحركة جنود أسرى أو أوراق يمكن أن تحتمي خلفها".
ويشير إلى أن إسرائيل تشعر بأن الظرف مناسب وأنها أمام فرصة للضغط، مضيفًا: "إذا نجحت في دفع الولايات المتحدة للضغط على حماس للقبول بصيغة معينة فسيكون ذلك مكسبًا لها، وإن لم يتحقق ذلك فإنها تُبقي خيار الضربة العسكرية بيدها".
ويقول منصور إن "صيغة حزب الله مطروحة كنموذج محتمل، وهي من جهة قد تشكل مخرجًا لحماس، لكنها من جهة أخرى تثير تخوفًا إسرائيليًّا، فإسرائيل، لا تريد صيغة تتنصل فيها حركة حماس من الحكم وأعبائه فيما تبقى مهيمنة على القرار في غزة والمرجعية الحقيقية في القطاع، بل تسعى إلى إنهاء حكمها فعليًّا وتجريدها من السلاح ومن أي تأثير".
ويؤكد أن "حركة حماس تحاول بالمقابل تقديم صيغة مقبولة لدى الوسطاء ويمكن إقناع الإدارة الأمريكية بها وفرضها على إسرائيل"، معتبرًا أن جوهر الصراع الحالي يتمحور حول من ينجح في كسب الموقف الأمريكي وإقناعه بالصيغة التي يطرحها.
ويقول منصور إن "الولايات المتحدة لا تريد عودة الحرب، وتسعى إلى تقدم في مسار الإعمار وترتيبات مجلس السلام باعتبارها مدخلًا لترتيبات أوسع في المنطقة، إلا أن إسرائيل تضع عقبات في هذا المسار عبر التشديد على أولوية ملف السلاح".
ويشير إلى أنه كلما كانت رؤية حركة حماس أوضح وقدمت تصورات مقبولة للأمريكيين والوسطاء، يمكن تحقيق تقدم في هذا الإطار، لكن الضغط قائم، والسيناريوهات الأخرى، وفي مقدمتها الضربة العسكرية، لا تزال مطروحة، خاصة في ظل قيام إسرائيل بتجميع بنك أهداف جديد.