يحاول أعضاء مجلس الأمن الدولي ضخ دماء جديدة في خريطة الطريق الأممية بشأن ليبيا التي تتعرض لجمود بسبب "المسارات الموازية" التي تقودها الولايات المتحدة والخلافات المستعصية، ما جعل الحل السياسي القادم من الخارج محل انتقادات داخل البلاد.
وقدم مجلس الأمن صورة قاتمة عن التطورات الميدانية في ليبيا التي انعكست بوضوح في إحاطات المبعوثة الأممية هانا تيتيه الأخيرة ومواقف القوى الدولية الفاعلة وصبّت في نطاق التحذير من مآلات الانسداد السياسي والوضع الأمني في البلاد.
وجدّد أعضاء المجلس في بيان مشترك دعمهم الكامل للممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، مؤكدين مساندتهم لجهودها في الوساطة والمساعي الحميدة لدفع عملية سياسية شاملة في البلاد، بما في ذلك خريطة الطريق التي أعلنتها في 21 أغسطس آب 2025.
كما شددوا على ضرورة الامتناع عن اتخاذ أي خطوات أحادية من شأنها تعميق الانقسامات المؤسسية، أو تقويض فرص المصالحة الوطنية، أو الإسهام في تدهور الوضعين المالي والاقتصادي في البلاد.
وبسبب حالة الانسداد السياسي واتخاذ أطراف ليبية إجراءات أحادية الجانب، يؤيد مجلس الأمن البدء في تنفيذ خطة بديلة ما زالت تفاصيلها مبهمة، تقضي بتكليف مجموعة صغيرة لحل الخطوتين الأساسيتين اللتين فشل مجلسا النواب والدولة في التوافق بشأنهما.
وتمحور الخلاف بين مجلسي النواب والدولة حول ملف المفوضية العليا للانتخابات، والجهة المخوّلة قانونا بإعادة تشكيلها.
وحذر عضو لجنة الحوار المهيكل في ليبيا، الحمري الشاوش، من أن يفتح غياب التوافق حول إدارة البلاد المجال واسعا لمزيد من التدخل الدولي، "كما سيرتهن الواقع والمستقبل لانعكاسات صراعات الدول ذات المصالح في ليبيا، وقد نجد البلاد مهددة بسيناريوهات الفشل الكلي والانقسام".
ويؤكد الشاوش في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن الأزمة الليبية لا تكمن فقط في غياب قاعدة دستورية متفق عليها، بل أساسًا في غياب الإرادة السياسية لاحترام أي قاعدة يتم التوافق عليها.
ويقول: "أظهرت التجارب السابقة أن النصوص وحدها لا تشكل ضمانة، حيث جرى الالتفاف على اتفاقات دستورية وقانونية قائمة عندما تعارضت مع مصالح القوى المتنفذة".
وإن كانت البعثة وسيطًا محايدًا أم تحولت إلى فاعل سياسي مباشر أوضح السياسي الليبي أنها واجهة للمجتمع الدولي، وهذا المجتمع يجد المجال مفتوحًا للتأثير والتدخل كلما استمرت الصراعات المحلية وانعدم التوافق.
ولفت إلى "احتفالية" في العراق قبل أشهر بمناسبة انتهاء دور البعثة هناك، ما جاء نتيجة تحقق الاستقرار، قائلا إنه ينبغي العمل في ليبيا أيضًا من أجل الوصول إلى الاستقرار والتوافق بين الليبيين، حتى تنتفي الحاجة إلى أي وسطاء من الخارج.
من جانبه، الباحث السياسي إدريس بوفايد، يشير إلى المهام الموكلة للبعثة الأممية التي تمثل دور دعم وحدة ليبيا والمسار الدستوري الديمقراطي "وهي من أولى الأولويات".
ويقول: "من ثم يظل من أوجب واجباتها الرفض العلني والصارم لأي عوامل تهدد وحدتها ووحدة مؤسساتها السيادية، بل والعمل على ردع المتسببين في هذه العوامل بمسؤولية وحزم وعبر الأدوات الدولية المتاحة".
ويؤكد بوفايد أنه في الحالة الليبية ومع عشر بعثات دولية متتالية تكتفي هذه البعثات بالإشارة العابرة والتوصيف الناعم لظواهر هدّامة على وحدة ليبيا وأمنها واستقرارها والمساواة بين الظالم والمظلوم، معبرا عن رفضه لاختزال الصراعات العبثية في مسألة انقسام واختلاف داخل مؤسسة القضاء.
يأتي ذلك في وقت دخلت فيه واشنطن على الخط عبر مسارها المثير للجدل الذي جاء على لسان مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط، مسعد بولس، الذي يرى أن استقرار ليبيا يتطلب توحيد المؤسسات واستعادة الحيوية الاقتصادية من خلال عملية سياسية، أي أن الحل يبدأ من المسار الاقتصادي.
وفي تدوينة نشرها بولس عبر حسابه على منصة "إكس" الأربعاء علق على البيان الصادر عن رئيس مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا.
ونوه بأن الولايات المتحدة ستواصل "إشراك الأطراف الليبية المعنية في نهج عملي ومنسق لخلق الظروف اللازمة لضمان استقرار المؤسسات السياسية وتحقيق الازدهار الاقتصادي على المدى الطويل".