تعيش عائلات كردية واقعًا إنسانيًا قاسيًا مع اضطرارها للانفصال عبر الحدود بين إيران والعراق، هربًا من الضغوط السياسية والأمنية.
ووفقًا لتقرير لصحيفة "لو فيغارو" الفرنسية، "يجسّد لقاء زوجين بعد أشهر من الفراق جانبًا من معاناة النزوح القسري، إذ تفرض القيود الأمنية ثمنًا باهظًا يتمثل في ترك الأبناء والحياة خلفهم، ما يعكس تداعيات أوسع للصراع الإقليمي على النسيج الاجتماعي، وسط غياب حلول تضمن الاستقرار ولمّ شمل الأسر".
وأوضح التقرير، أنه "على امتداد جبال زاغروس المغطاة بالثلوج، تقود الطرق المتعرجة إلى مدينة "بينجوين" في أقصى غرب إقليم كردستان العراق، قرب الحدود الإيرانية. وعند حاجز التفتيش، تتكدس سيارات الأجرة الصفراء في طابور طويل، بينما يقف سائقوها بانتظار المسافرين القادمين من الجانب الإيراني بعد ساعات من الإجراءات الجمركية المشددة".
في سيارة متوقفة بجوار الحاجز، كان "ساربات" يقلب يديه الباردتين ويحاول إبقاء ذهنه مشغولًا، عاقدًا نظره على المارة الذين يجرّون حقائبهم عبر الأرض المبتلة، فزوجته "أفسانة" لا تملك إقامة في العراق، ما يجبرها على عبور الحدود شهريًا لتجديد تأشيرتها.
وأكد التقرير أنه قبل اندلاع الحرب، كان عبور الحدود أمرًا سهلًا، أما اليوم فكل خطوة تحمل مخاطر وتؤخّر المسافرين ساعات طويلة، كما يشرح الفنان البالغ من العمر 51 عامًا، وهو يراقب حركة المسافرين على المنفذ.
لم يكن الانتقال إلى العراق خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل كان أحيانًا خيارًا للبقاء على قيد الحياة. يروي "ساربات" كيف أن أعماله الفنية، بما فيها لوحات رمزية تصور مظاهرات وحقوق الإنسان، أثارت غضب السلطات الإيرانية.
"لم أعارض الحكومة، لكنني دافعت عن مبادئ الحرية، وبعض أعمالي لم ترقَ للسلطات"، يقول الفنان، مشيرًا إلى أن أحد أصدقائه في وزارة الثقافة نصحه بمغادرة البلاد لتجنب التوقيف.
وأضاف أن تحذيره كان واضحًا: العودة إلى إيران قد تضع اسمه على قائمة سوداء، وقد يتم اعتقاله بسبب نشاطاته الفنية أو منشوراته على الإنترنت.
ويعكس هذا الواقع وضع الأكراد في إيران، الذين يشكلون نحو 10 إلى 15% من السكان، ويواجهون منذ سنوات تمييزًا ممنهجًا في التعليم والعمل، إضافة إلى حرمانهم من التدريس بلغتهم الأم.
كانت حادثة مقتل الشابة الكردية مهسا أميني في سبتمبر/أيلول 2022 نقطة تحوّل، إذ أشعلت احتجاجات واسعة في إيران تحت شعار "امرأة، حياة، حرية"، ورددت الشوارع الكردية شعارات مماثلة بلغتهم: "جين، جيان، آزادِي".
كان القمع عنيفًا، إذ أسفرت المواجهات عن مقتل أكثر من 550 مدنيًا واعتقال عشرات الآلاف، وفق الأمم المتحدة، مع استهداف خاص للأكراد في إقليم روجهلات.
ووجد آلاف المدنيين، أمام هذا الضغط، ملاذهم في كردستان العراق، حيث يتمتع الإقليم بحكم ذاتي مقارنة بمناطق أخرى، ما يمنحهم مساحة أكبر للتعبير عن أنفسهم وممارسة حياتهم اليومية دون خوف من الاعتقال المباشر.
وشدد التقرير على أنه رغم الأمان النسبي، فإن الحياة في المنفى الاقتصادي صعبة، فقد اضطر ساربات للعمل في مطعم بعد أن فقد القدرة على الاعتماد على الفن كمصدر دخل، قائلًا: "درست الفن لأجد نفسي في مطعم، لكن الحرية أهم من الراتب".
من جهة أخرى، يعاني أقاربهم في إيران من أزمة اقتصادية غير مسبوقة، إذ وصل الريال الإيراني إلى مستويات قياسية منخفضة، وارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل كبير.
وتقول أفسانة: "نرسل الأموال لأبنائنا لمساعدتهم، لكن الأسعار المرتفعة تجعل الحياة صعبة حتى لأولئك الذين لم يغادروا".
بعد 5 أيام من القلق والانتظار، وصل خبر عبور "أفسانة" الحدود. ويعكس مشهد اللقاء في الشقة الصغيرة التي يقيم فيها الزوجان مزيجًا من الفرح والقلق: الفرح بلقاء الزوج، والقلق على الأطفال الذين بقوا وراءهم في إيران.
"كنت ممزقة بين السعادة بلقاء زوجي والحزن على أبنائي الذين لا أعلم عنهم شيئًا"، تقول الزوجة، في إشارة إلى الانقسام الإجباري الذي تفرضه سياسات الحدود والحرب.
تجربة "أفسانة" و"ساربات" ليست حالة فردية، بل تمثل آلاف الأسر الكردية التي تعيش بين تهديدات النظام الإيراني، والحروب الاقتصادية، والقيود الحدودية المشددة.
ويبرز المشهد كيف أن النزوح القسري والتفكك الأسري أصبحا جزءًا من التكلفة الإنسانية للصراع الإقليمي، وسط غياب سياسات فعّالة لإعادة توحيد الأسر وضمان استقرار المدنيين.