دخل الاستحقاق الرئاسي في العراق مرحلة انقسام علني داخل البيت الكردي، مع ذهاب الحزبين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، إلى طرح مرشحين منفصلين لمنصب رئيس الجمهورية، في خطوة كشفت عمق الخلافات السياسية داخل "البيت الكردي".
وتقدم وزير الخارجية الحالي، فؤاد حسين مرشحاً عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، في مقابل القيادي في الاتحاد الوطني، نزار ئاميدي الذي أعلن الاتحاد ترشيحه بشكل رسمي، مع انتهاء المدة الدستورية المحددة لتقديم الطلبات إلى مجلس النواب.
وهذا التطور أنهى عملياً مرحلة التفاهمات التقليدية التي كانت تفضي غالباً إلى اسم كردي واحد، وفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً داخل البرلمان.
ووفقاً للدستور العراقي، ينتخب رئيس الجمهورية خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من انتخاب رئيس مجلس النواب، وهو ما يضع القوى السياسية أمام جدول زمني ضيق، خصوصاً أن انتخاب الرئيس يتطلب الحصول على أغلبية الثلثين في الجولة الأولى، وهو شرط سبق أن شكل عقدة سياسية في دورات سابقة.
ويأتي هذا الانقسام في وقت تشكلت فيه رئاسة البرلمان من رئيس سني ونائبين أحدهما شيعي والآخر كردي، ما أعاد تثبيت معادلة توزيع الرئاسات الـ3، إلا أن كسر الإجماع الكردي هذه المرة قد يضعف القدرة التفاوضية للأحزاب الكردية داخل بغداد، بحسب تقديرات مراقبين.
بدوره، قال عضو الاتحاد الوطني الكردستاني أحمد الهركي إن "مرشح الاتحاد الوطني لمنصب رئاسة الجمهورية هو نزار ئاميدي، وقد جرى الإعلان عنه بشكل رسمي، لكن المشهد لا يزال غير محسوم بشكل كامل، في ظل وجود مهلة دستورية متبقية وبقاء باب الترشيح مفتوحاً"، لافتاً إلى أن "التعامل يجري وفق المعطيات الرسمية واللحظة السياسية الراهنة".
وأضاف الهركي لـ"إرم نيوز" أن "جميع الاحتمالات لا تزال قائمة بشأن مشاركة مرشح الاتحاد في جلسة الانتخاب، سواء بالذهاب بمرشح واحد أو التوصل إلى اتفاق سياسي أوسع"، موضحاً أن "مسار التوافق يبقى متروكاً للأيام المقبلة، خاصة أن المواقف تتغير بين فترة وأخرى وفق طبيعة التفاهمات السياسية".
وتشير معلومات متقاطعة من داخل البيت الكردي إلى أن الذهاب بمرشحين منفصلين لا يعني بالضرورة القطيعة السياسية، بقدر ما يُعد محاولة لـ"جس النبض" داخل البرلمان، وقياس مواقف الكتل الشيعية والسنية من كل اسم، قبل اتخاذ قرار نهائي قد يقود إلى تسوية داخلية.
وفي هذا الإطار، قال عضو في الحزب الديمقراطي الكردستاني إن "الحزب طرح فؤاد حسين بوصفه مرشحاً يمتلك شبكة تفاهمات واسعة مع قوى سياسية محلية، وعلاقات ودولية"، لافتاً إلى أن "الديمقراطي يحتفظ بخطة بديلة في حال تعثر تمرير المرشح الحالي، تقوم على الذهاب إلى شخصية مستقلة مقبولة من مختلف الأطراف، بما يضمن عدم كسر التوازن السياسي".
ويضيف عضو الديمقراطي، الذي طلب حجب اسمه، أن "الاتحاد الوطني لديه شخصيات يمكن التعويل عليها لإدارة هذا الاستحقاق في حال جرى التوافق على خيار مختلف"، في إشارة إلى بقاء باب التسويات مفتوحاً رغم التصعيد الظاهر في الخطاب السياسي.
واصطدم الحزب الديمقراطي الكردستاني باعتراضات سياسية متعددة داخل مجلس النواب، ولا سيما من أحزاب وقوى مقربة من إيران، حيث رفض نواب فصائل مسلحة التصويت لمرشح الحزب لمنصب النائب الثاني لرئاسة البرلمان شاخوان عبدالله، ما دفع الحزب إلى تغيير مرشحه، وتمرير فرهاد الأتروشي، في خطوة جاءت في سياق "لي الأذرع".
كما أن وجود خلافات قائمة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني، وحزب تقدم (أكبر الأحزاب السنية) سيزيد من تعقيد مهمة تمرير أي مرشح يقدمه الحزب، ويجعل حظوظه رهينة بتفاهمات أوسع لم تنضج بعد داخل البرلمان.
وتزامن هذا المشهد مع تسجيل عدد كبير من طلبات الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، تجاوزت الـ80 طلباً، من قوميات وخلفيات سياسية متعددة، إلا أن حظوظ الفوز تبقى عملياً محصورة داخل الإطار الكردي، بحكم الأعراف السياسية السائدة منذ 2005.
ويرى مختصون أن فشل القوى الكردية في التوصل إلى مرشح موحد قد يفتح الباب أمام البرلمان للعب دور أكثر حسماً في اختيار الرئيس، وهو ما قد ينتج رئيساً بتوافق عابر للقوميات، أو على الأقل يقلّص قدرة الحزبين الكرديين على فرض شروطهما التقليدية.
وفي حال تم تجاوز عقدة الرئاسة، فإن الأنظار ستتجه سريعاً إلى البيت الشيعي، حيث ينتظر استحقاق اختيار رئيس الوزراء، وسط منافسة محتدمة بين أسماء بارزة، وفي مقدمتها محمد شياع السوداني، ونوري المالكي وحيدر العبادي.