دخل البرلمان العراقي دورته السادسة من بوابة جلسة أولى بدت من حيث الشكل هادئة ومنضبطة، لكنها حملت في تفاصيلها مؤشرات على تعقيد المشهد السياسي المقبل.
يأتي ذلك في ظل تباينات واضحة داخل الكتل الكبرى، وتحديدًا داخل قوى الإطار التنسيقي، إلى جانب استمرار الخلافات السنية والكردية بشأن الاستحقاقات اللاحقة.
وانتخب مجلس النواب العراقي، الاثنين الماضي، القيادي في حزب تقدم هيبت حمد الحلبوسي رئيسًا للمجلس، بعد حصوله على 208 أصوات، متقدمًا على منافسه النائب سالم العيساوي الذي نال 66 صوتًا، فيما توزعت بقية الأصوات بين مرشحين آخرين وأوراق باطلة.
كما جرى انتخاب القيادي في عصائب أهل الحق، عدنان فيحان، نائبًا أول لرئيس المجلس، وسط توافق هش داخل قوى الإطار التنسيقي، رغم ما رافق العملية من هدوء نسبي في مواقف بعض كتل الإطار.
وقال النائب في البرلمان عن الإطار التنسيقي، مختار الموسوي، إن "جلسة البرلمان الأولى كشفت بوضوح أن التفاهمات السياسية قائمة، وأن حسم بعض الاستحقاقات لا يعني بالضرورة انتقال المجلس إلى مرحلة استقرار كامل".
وأضاف الموسوي، لـ"إرم نيوز"، أن "الاختبار الحقيقي للبرلمان سيبدأ مع الاستحقاقات المقبلة، ولا سيما انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء، حيث ستقاس قدرة الكتل على إدارة الخلافات داخل القاعة، وليس عبر الاتفاقات المسبقة خارجها".
وأشار إلى أن "غياب الانسجام داخل بعض التحالفات الكبرى، يفرض مقاربات مختلفة في إدارة المرحلة المقبلة، تقوم على تقليص منطق كسر الإرادات، والذهاب نحو تفاهمات واقعية تمنع تعطيل المسار الدستوري أو إدخال البلاد في فراغ سياسي جديد".
لكن في المقابل، تعثر حسم منصب النائب الثاني لرئيس البرلمان، بعد احتدام المنافسة بين مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني، شاخوان عبد الله، ومرشح كتلة الموقف، ريبوار كريم، ما دفع رئاسة المجلس إلى تأجيل البت بالمنصب، قبل أن يضطر الديمقراطي الكردستاني إلى تغيير مرشحه شاخوان عبد الله.
واعتُبرت الجلسة اختبارًا أوليًّا لقدرة الكتل على إدارة الخلافات وفق الأطر الدستورية، خصوصًا مع اقتراب استحقاقات أكثر أهمية، أبرزها انتخاب رئيس الجمهورية، الذي يعد تقليديًّا من حصة القوى الكردية، وسط انقسام واضح بين الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان.
وفي هذا السياق، قال رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، غازي فيصل، إن "ما جرى في جلسة البرلمان الأولى لا يمكن توصيفه بوصفه أزمة دستورية بقدر ما هو إشكال سياسي ناتج عن كسر منطق التوافق التقليدي".
وأضاف فيصل، لـ"إرم نيوز"، أن "التصويت الحر داخل البرلمان، وعدم التزام عدد من النواب بتوجيهات كتلهم، سواء داخل الإطار التنسيقي أو القوى السنية والكردية، أدى إلى إرباك التفاهمات غير المعلنة التي كانت قائمة، وفتح الباب أمام هذا النوع من الأزمات".
وأشار إلى أن "خرق بعض التفاهمات، ولا سيما تلك المتعلقة بتمثيل الحزب الديمقراطي الكردستاني، قد يمتد تأثيره إلى استحقاقات مقبلة، مثل انتخاب رئيس الجمهورية، وما يترتب عليه من تداعيات على العلاقة بين بغداد وأربيل وملفات النفط والغاز والملف المالي".
وتشير قراءات سياسية إلى أن تباين مواقف الإطار التنسيقي، الذي لم يكن موحدًا في التصويت على رئاسة البرلمان أو نائبيه، كشف عمق الخلافات داخل هذا التحالف، إذ تقدم الإطار التنسقي بمرشحين اثنين لمنصب النائب الثاني، هما محسن المندلاوي، وعدنان فيحان، حيث اشتدت المنافسة بين الطرفين، ما أثار تساؤلات بشأن قدرة الإطار على التوافق لاحقًا على مرشح واحد لرئاسة الوزراء.
بدوره، أوضح الباحث والأكاديمي، غالب الدعمي، أن "البرلمان أمام مهلة لا تتجاوز 30 يومًا لاختبار قدرته على الالتزام بالتوقيتات الدستورية، وفي مقدمتها انتخاب رئيس الجمهورية".
وبيّن الدعمي، في حديث لـ"إرم نيوز"، أن "عقدة هذا المنصب تكمن في الخلافات داخل البيت الكردي، حيث يتجه كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني إلى طرح مرشحه، ما يجعل الحسم مرهونًا بالأوزان الانتخابية والتحالفات الوطنية".
ولفت إلى أنه "من غير المستبعد أن يُحسم منصب رئاسة الجمهورية هذه المرة بتوافق وطني عابر للمكون الكردي، في حال فشل الحزبين في التوصل إلى اتفاق داخلي".
وبينما نجحت الجلسة الأولى في حسم رئاسة البرلمان والنائب الأول سريعًا، فإن تلكؤ اختيار النائب الثاني، وتباين مواقف الكتل الكبرى، كشفا – وفق مراقبين - صورة توازن هش، يضع البرلمان الجديد أمام اختبار كبير في قدرته على إدارة الخلافات المقبلة، خصوصًا مع وجود ملفات من العيار الثقيل ينبغي التعامل معها، كالأزمات المالية، وتمرير قوانين جدلية.