تتزايد التوترات السياسية والأمنية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، التي تستعد لاحتضان فعالية احتجاجية كبرى مساء اليوم الجمعة، وسط مخاوف من إجراءات حكومية قمعية جديدة، تفاقم الاحتقان الجماهيري المتراكم في جنوب البلاد.
ومنذ مساء الخميس، بدأ القادمون من أبناء المحافظات الجنوبية المجاورة، في التوافد إلى ساحة العروض المركزية بمديرية خور مكسر، تمهيدا للمشاركة في "مليونية الثبات والقرار"، استجابة لدعوة المجلس الانتقالي الجنوبي، للتأكيد على تمسّك الشعب الجنوبي بثوابته الوطنية بما فيها "حق تقرير المصير".
ومن المقرر أن يندد المتظاهرون بإغلاق مقرّات المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن، ويطالبوا السلطات الحكومية بمحاسبة المسؤولين عن الأحداث القمعية الأخيرة التي شهدتها العاصمة المؤقتة وشبوة وحضرموت، وأسفرت عن مقتل 6 محتجين مدنيين، وإصابة العشرات بجراح.
ويقول المتحدث الرسمي للمجلس الانتقالي الجنوبي، أنور التميمي، إن كل التحركات الشعبية التي يشهدها الجنوب، تُربك مساعي استهداف المجلس الانتقالي، وتُبطل سردياتها التي لا تستقيم مع المنطق ولا مع مجريات الأحداث.
وأكد في تصريح خاص لـ"إرم نيوز"، أن الحكومة اليمنية تعتقد أن قمع المتظاهرين والضخ الإعلامي المضاد، سيُنهيان التحرك الشعبي ما يمكّنها من تمرير مخططاتها، "لكنها فشلت في تحقيق ذلك، وهو ما قاد إلى نتائج عكسية أسهمت في تصاعد الاحتقان وارتفاع مستوى الزخم الشعبي المليوني وتصاعد الاحتجاجات في مختلف مناطق الجنوب".
وأشار التميمي إلى أن إغلاق مقرات ومكاتب المجلس الانتقالي الجنوبي مؤخرا، يهدف إلى "شلّ فاعلية المجلس ككيان قيادي جماهيري ممتد الجنوب، بهيكل تنظيمي متماسك من الأعلى إلى الأسفل"، مؤكدا أن هذه الخطوة ستعقّد المشاكل وستفاقم السخط الشعبي بشكل أكبر.
ويرى متحدث الانتقالي الجنوبي أن "استهداف الجنوب وقضيته العادلة وممثله السياسي، يأتي في سياق التفاهمات الإقليمية المؤسفة مع ميليشيا الحوثي، والتي تتضمن تصفية الملعب الجنوبي عسكريا، بما يمكّن الميليشيا من معظم العائدات النفطية في الجنوب، اعتقادا بأنها ستكون كافية لتجنب خطر الحوثيين وداعميهم".
وذكر أن المجلس يرفض هذه الترتيبات، من منطلق تركيبة الحوثيين التي تزداد شهيتها مع كل مكتسب تحققه، ونظرا للتجارب التوسعية خلال المراحل السابقة، "وبناء على ذلك صُنّف الانتقالي الجنوبي كمعيق لهذه التفاهمات"، مشددا على أن هذه التحركات الخطيرة "ستكوي نيرانها الجميع، محليا وإقليميا".
من جهته، يعتقد الباحث السياسي، يعقوب السفياني، أن دعوة الجماهير للاحتشاد في خور مكسر، بدلا من التوجه نحو القصر الرئاسي الذي يعدّ مقرّ الحكومة اليمنية، مؤشرا على أن المليونية المرتقبة "لا تهدف إلى إسقاط الحكومة أو طردها بالقوة، بقدر ما تأتي لتأكيد موقف سياسي وإيصال رسالة احتجاج منضبطة".
وأوضح السفياني أن المشهد يتجه نحو قدر من "الواقعية السياسية" التي تفرض تهدئة موقتة، خصوصا مع ارتباط الحسابات الحالية بسياق إقليمي حساس، في ظل الوساطات المستمرة وما تفرضه هذه المسارات من اعتبارات وضبط لإيقاع تحركات الداخل الجنوبي.
وبيّن أن الرسالة الشعبية في الوقت الراهن تتمثّل بـ"رفض سياسي معلن، دون كسر العظم في الشارع، وترقب حذر لما ستؤول إليه المرحلة المقبلة في ضوء التوازنات الداخلية والحسابات الإقليمية".
واعتبر أن حدوث أي صدام مباشر في الشارع، يعني عمليا "الاحتكاك بين المحتجين وقوات أمنية وعسكرية جنوبية تعمل تحت إمرة قيادات جنوبية، وهو سيناريو لا يخدم أحدا"، بحسب قوله.
ومع اقتراب موعد الفعالية، يتصاعد منسوب التوتر الأمني والاحتقان الشعبي، وسط انتشار واسع للقوات العسكرية والأمنية على مداخل عدن الشرقية والشمالية ومدنها الداخلية، تزامنا مع استقدام تعزيزات أمام مقرّات الدولة ومرافقها الحكومية الحيوية.
ويشير الناشط السياسي، بشير البريكي، إلى أن التعاطي الأمني الذي تسلكه الحكومة، يُفسّر من قبل الشارع الجنوبي بوصفه "حصارا مفروضا بالقوة لتمكين أجندة تتنافى مع تطلعاته، وهو ما يعني مزيدا من التصعيد الشعبي للتحرر من هذه القيود".
وقال لـ"إرم نيوز"، إن التجارب السابقة برهنت على أن السياسات القمعية "لا تنتج استقرارا، بل تفرز أزمات وفوضى وسفك دماء، خلقت مظلومية جديدة تُضاف إلى مظلوميات شعب الجنوب وقضيته، وعمّقت أزمة ثقة الجنوبيين في الجانب الآخر".
وأكد أن من واجب الأجهزة الأمنية حماية المتظاهرين السلميين، وتسهيل كافة السبل والوسائل أمامهم لممارسة حقوقهم المكفولة قانونيا في التعبير عن مطالبهم المشروعة.