العالم العربي

خبير فرنسي: التاريخ يهدد مفاوضات لبنان وإسرائيل الحالية

إيمانويل ماكرون وجوزيف عونالمصدر: رويترز

في الرابع عشر من نيسان/ أبريل الجاري، انطلقت في واشنطن محادثات إسرائيلية-لبنانية للمرة الأولى منذ عقود، أشعلت آمالاً بوساطة أمريكية قد تُنهي دورة عنف متجذرة، بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية.

وقال المؤرخ جان بيير فيليو، إن المشهد الراهن ينطوي على أخطاء قاتلة سبق ارتكابها منذ ما يزيد على أربعين عاماً، وانتهت بانهيار اتفاق 1983 بعد أقل من عام على توقيعه.

أخبار ذات صلة

جنود وآليات إسرائيلية قرب حدود لبنان

مناورات بعد تمديد الهدنة.. هل يتحول جنوب لبنان إلى جبهة استنزاف طويلة؟

وأوضحت الصحيفة أنه في حزيران/ يونيو 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان بقيادة مناحيم بيغن بذريعة تصفية منظمة التحرير الفلسطينية، تدخّلت قوة متعددة الجنسيات أمريكية-فرنسية-إيطالية لمراقبة الإخلاء، ثم أعيد انتشارها بعد مجازر صبرا وشاتيلا. 

وفي أجواء الحرب الباردة، قرر الرئيس ريغان استثمار الزخم العسكري الإسرائيلي لتحقيق اختراق دبلوماسي يُضعف النفوذ السوفيتي-السوري في لبنان، حيث إنَّ الوصفة آنذاك: انفراد أمريكي بالوساطة، واستبعاد فرنسا والأمم المتحدة، وضغط مكثف على بيروت لقبول شروط تل أبيب. 

والنتيجة: اتفاق 17 أيار/ مايو 1983 الذي أقام "منطقة أمنية" لإسرائيل وقيّد السيادة اللبنانية بشكل صارخ - حُدد فيه عدد الجنود اللبنانيين المسموح بهم في جنوب لبنان بـ4341 جنديًّا فقط، مع تقييد صارم لتسليحهم. اضطرت بيروت لإلغاء الاتفاق في آذار/مارس 1984 بعد أن نجحت دمشق وموسكو في استنزاف حكومة أمين الجميل عبر موجة إرهابية أسقطت قوة التدخل الغربية.

التاريخ يُعيد نفسه

يرصد فيليو تطابقًا صارخًا بين الأمس واليوم، فالمفاوضات الراهنة تجري على مستوى السفراء في واشنطن تحت رعاية أمريكية منفردة، بينما "تبقى الأمم المتحدة خارج المباحثات". 

والأشد إيلامًا أن رئيس الوفد الإسرائيلي المقرب من بنيامين نتنياهو أعلن صراحة رغبته في "إبقاء الفرنسيين بعيدين قدر المستطاع"، أما ترامب، فيتعامل مع لبنان كـ"مسرح ثانوي" في مواجهته الكبرى مع إيران.

المشكلة الجوهرية، بحسب المؤرخ الفرنسي، هذا التوجه يُفضي حتمًا إلى ما أفضى إليه عام 1983: وسيط أمريكي يركّز ضغوطه على الجانب اللبناني الأضعف؛ ما يُضعفه أمام المطالب الإسرائيلية، ويُضعفه بالتبعية أمام حزب الله الذي سيجد في أي تنازل سيادي وقودًا للتعبئة والرفض.

ويستعرض فيليو النمط المتكرر منذ عام 1978: إسرائيل تدخل لبنان بذرائع أمنية، تفرض حلولًا غير متوازنة، ثم تجد نفسها أمام خصم أشد من سابقه. فقوة الاحتلال الإسرائيلي حتى عام 2000 لم تُفرز إلا حزب الله، الذي أثبت قدرة على الصمود تفوق منظمة التحرير بمراحل. واليوم، القوة العسكرية وحدها لم تُنجز سوى تغيير موازين القوى دون حل جذري.

ثمن الإقصاء الفرنسي-الأممي

يُجادل فيليو بأن استبعاد فرنسا والأمم المتحدة ليس مجرد خطأ دبلوماسي، بل هو إضعاف موضوعي للبنان في التفاوض. فرنسا، القوة الأوروبية الأكثر انخراطًا في الشأن اللبناني تاريخيًّا والحاضرة في اليونيفيل بـ600 جندي، يمكنها تقديم ضمانات وتوازنات لا تستطيع واشنطن المنحازة لإسرائيل تقديمها. والأمم المتحدة، رغم كل قصورها، توفر شرعية دولية تُصعّب الانقلاب على أي اتفاق لاحقًا.

في المقابل، الوساطة الأمريكية المنفردة المتناغمة مع المطالب الإسرائيلية تُعيد إنتاج معادلة 1983: اتفاق يبدو ناجحًا على الورق لكنه يُولد بذور انهياره في داخله.

درس التاريخ لمن يريد أن يسمع

لا يدعو فيليو إلى تعطيل المفاوضات، بل إلى إصلاح منهجها. فأي اتفاق لبناني-إسرائيلي دائم يستلزم توازنًا حقيقيًّا لا ضغطًا أحاديًّا، وشرعية أممية لا رعاية طرف واحد، وضمانات من أطراف متعددة لا من منفرد بأجندة خاصة.

منذ نصف قرن وإسرائيل تتعاقب حملاتها في لبنان معتقدة في كل مرة أنها سَتحسِم أزمة الحدود الشمالية، فلا تُنجِز في نهاية المطاف إلا تأجيل الانفجار إلى جولة أشد. 

ويخلص الخبير الفرنسي إلى أنه إذا استمر المسار الحالي على نهج عام 1983، فإن لبنان 2026 لن يُذكر كبداية سلام، بل كمقدمة لجولة جديدة.

 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC