‏الرئيس العراقي يكلف علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة

العالم العربي

حزب الله يفقد ورقته الأقوى.. هل تتآكل عقيدة الاستنزاف و"النفس الطويل"؟

خلال تشييع قادة لحزب اللهالمصدر: رويترز

لم يعد السؤال الأكثر أهمية حول حزب الله هو ما إذا كان قادراً على إطلاق الصواريخ أو فتح الجبهة، بل ما إذا كان ما زال يملك شروط خوض حرب طويلة كما كان يتفاخر دائمًا. فالمعطيات المتقاطعة من "رويترز" ومراكز أبحاث غربية تشير إلى أن الحزب لا يواجه ضغطاً عسكرياً فقط، بل تآكلاً متزامناً في ثلاثة عناصر كانت أساس قوته: القدرة على التعويض، الغطاء اللبناني، وحرية الحركة. 

أخبار ذات صلة

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل 6 عناصر من "حزب الله" جنوبي لبنان

نزف أسرع من التعويض

تقدّم الأرقام أول مؤشر. فقد نقلت "رويترز" عن مصدرين مطلعين على إحصاء حزب الله أن أكثر من 400 مقاتل من الحزب قُتلوا منذ فتحه الحرب الجديدة مع إسرائيل في 2 مارس/آذار، بينما قالت إسرائيل إن عدد قتلاه وصل إلى 700، بينهم مئات من قوة الرضوان، وهي وحدة النخبة التي يفترض أن تتحمل عبء أي مواجهة طويلة. كما ذكّرت "رويترز" بأن الحزب كان قد أعلن بعد حرب 2023-2024 مقتل نحو 5 آلاف من عناصره، ما يعني أن النزف الحالي يأتي فوق رصيد خسائر سابق لم يُرمم بالكامل.

هذه المعادلة تضرب جوهر "النفس الطويل". فالحزب يستطيع إطلاق موجات نار متقطعة، لكنه يواجه نمطاً من الاستهداف المتراكم يطاول المقاتلين والبنية القيادية واللوجستية. وفي 8 أبريل/نيسان، نقلت "رويترز" عن الجيش الإسرائيلي أنه نفذ أكبر ضربات ضد بنية حزب الله منذ بداية الحرب، مستهدفاً بنى للحزب "في قلب مناطق مدنية" في أنحاء لبنان، وهو مؤشر إلى أن الحرب لا تضغط على الجبهة فقط، بل على العمق التنظيمي أيضاً.

دولة تضيق بالحزب

العامل الجديد، وربما الأخطر، أن الحزب لم يعد يتحرك داخل فراغ سياسي لبناني. فبحسب معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تعهد الرئيس جوزيف عون في خطاب تنصيبه بحصر السلاح بيد الدولة، ثم كلفت الحكومة الجيش بوضع خطة لنزع سلاح حزب الله، قبل أن تحظر الحكومة، بعد هجوم الحزب الصاروخي في مارس/آذار، أنشطته العسكرية وتطالب بمغادرة السفير الإيراني وتوقيف عناصر من الحرس الثوري في لبنان. ويصف المعهد هذه القرارات بأنها "خروج حاد" عن سياسات الحكومات السابقة.

وفقًا لمراقبين، لا يعني ذلك أن الدولة قادرة فوراً على نزع سلاح الحزب، لكنه يعني أن الغطاء الذي كان يسمح له بإدارة حرب طويلة من داخل الدولة لم يعد مضموناً. رئيس الحكومة نواف سلام قال لـ"رويترز" إن لبنان "لا يسعى إلى مواجهة مع حزب الله"، لكنه أضاف: "لن نخاف من حزب الله"، في سياق حديثه عن قدرة الدولة على نزع سلاحه. فيما حدد الرئيس اللبناني جوزيف عون بوضوح موقع الدولة وخياراتها وموجّهاً رسالة مباشرة إلى "حزب الله" بأن "ما نقوم به ليس خيانة، بل الخيانة يرتكبها من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقاً لمصالح خارجية".

 

 

شارع منهك ومتوتر

الضغط لا يأتي من الدولة وحدها. حيث وصفت "رويترز" الحرب بأنها تدفع الدولة والمجتمع في لبنان نحو "نقطة الانكسار"، مع اتساع الشرخ الطائفي والسياسي بسبب النزوح واتهام قوى لبنانية للحزب بأنه جر البلاد إلى حرب دعماً لطهران. كما رصدت توترات بين النازحين الشيعة ومناطق مسيحية ودرزية وغيرها، وعمليات تدقيق محلية في هوية مستأجرين خوفاً من وجود أهداف محتملة لإسرائيل.

هذا التحول مهم جداً. فالحرب الطويلة تحتاج بيئة تستوعب النزوح والخسائر والضربات، بينما البيئة اللبنانية الحالية منهكة اقتصادياً، ومنقسمة سياسياً، وأقل استعداداً لتحمل كلفة حرب مفتوحة. وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد قالت لـ"رويترز" إن لبنان يستعد لاحتمال عدم عودة مئات الآلاف من النازحين على المدى الطويل، فيما تحدثت الحكومة عن حاجة إلى 500 مليون يورو خلال ستة أشهر لمعالجة أزمة إنسانية شملت 1.2 مليون نازح من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية.

هدنة بلا راحة حقيقية

حتى الهدنة لا تبدو استراحة كاملة للحزب. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار ثلاثة أسابيع، لكن "رويترز" نقلت عن مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة أن الأسابيع الأولى من التصعيد خلّفت نحو 2500 قتيل في لبنان، مع نزوح واسع وأضرار جسيمة في البنية المدنية. كما أشارت الأمم المتحدة إلى أن صواريخ حزب الله غير الموجهة تفتقر إلى الدقة اللازمة لضرب أهداف عسكرية محددة، ما يرفع الكلفة السياسية والقانونية لاستخدامها. 

أخبار ذات صلة

قصف إسرائيلي موقع جنوب بيروت يستخدم لتخزين صواريخ لحزب الله.

استنزاف تمهيدا للتفكيك.. إسرائيل تعيد "صياغة" حزب الله "تحت النار"

تحسن شكلي.. واستنزاف يتعمّق

في هذا السياق، يقدّم الباحث والكاتب السياسي علي حمادة قراءة تكمّل هذه المعطيات، إذ يرى أن الحزب "تلقى ضربات كبيرة ومُني بخسائر واسعة على المستويين القيادي والقتالي، شملت مئات بل آلاف العناصر وعشرات القادة"، ما أدى إلى تقلص بنيته الفعلية. ويضيف أن ما يقاتل اليوم هو "جزء من الحزب، أو ما تبقى منه بعد حرب 2024"، معتمداً على خلايا صغيرة وعمليات كمائن منخفضة الكلفة.

ويشير حمادة إلى أن القدرات الصاروخية الحالية "قادرة على الإزعاج لا على التهديد الكبير"، حتى في حالات الإطلاق المكثف، حيث تُستخدم صواريخ منخفضة التقنية، فيما تبقى الصواريخ المتقدمة محدودة الاستخدام. ويخلص إلى أن ما يبدو تحسناً في الأداء ليس إلا نتيجة تغيير نمط القتال، لا تعافي القوة، وهو ما يعزز فرضية أن الحزب يدير استنزافه أكثر مما يستنزف خصومه.

ورغم أن حزب الله لم يفقد قدرته على القتال، إلا أنه يفقد تدريجياً شروط الحرب الطويلة، من خلال نزف بشري متسارع، بيئة حاضنة منهكة، غطاء سياسي متراجع، وقدرات تُستخدم بحذر. وبينما يواصل إطلاق النار، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الصمود زمنياً، أم أن عامل الوقت بات يعمل ضده وليس معه؟

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC