وصل الكاتب الفرنكو جزائري بوعلام صنصال إلى العاصمة الألمانية برلين، ليلة الأربعاء - الخميس، بعد أن أصبح حرًا عقب عفو رئاسي جزائري عنه، إثر وساطة ألمانية، وهو الإفراج الذي لا يعني نهاية الأزمة بين الجزائر وفرنسا، لكنه يعد شرطاً لاستئناف الحوار المجمد.
وانتهى احتجاز صنصال كما بدأ، في الـ16 من شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2024، فجأة بقرار من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إذ كان الأهم في الخطوة ألا يُنظر إليها كاستسلام لفرنسا، وضمان تأمين إطلاق سراح الكاتب من قِبل دولة ثالثة.
تم النظر في عدة خيارات، إيطاليا أو ألمانيا، التي تربطها علاقات جيدة بالجزائر، وتعززت مع الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، مع التوتر الفرنسي الجزائري، حيثُ أوضحت إحدى الشخصيات الجزائرية: "أصبح الألمان محاورينا المفضلين، وحلّوا محل فرنسا في تعاملاتنا مع الاتحاد الأوروبي".
وفي الـ10 من شهر تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، حثّ فرانك فالتر شتاينماير نظيره عبد المجيد تبون، على العفو عن الكاتب الفرنسي الجزائري، داعيًا إياه إلى القيام بـ"بادرة تُعبّر عن إنسانية ورؤية سياسية بعيدة المدى". بادرة، كما قال الرئيس الألماني، "تعكس علاقتي الشخصية الراسخة بالرئيس تبون، والعلاقات الطيبة بين بلدينا".
واقترح شتاينماير أيضًا نقل بوعلام صنصال إلى ألمانيا لتلقي العلاج، نظرًا لتقدمه في السن، وضعف صحته.
وسبقت الوساطة الألمانية مفاوضات مطولة بين الجزائر وباريس وعاصمة أوروبية، فقد سارع السفير الفرنسي في الجزائر، ستيفان روماتيه، إلى بدء حوار مع دبلوماسيين ألمان مطلعين على شؤون المغرب العربي، وجرى أول هذه اللقاءات، في الـ6 من شهر كانون الأول/ديسمبر من العام 2024، أي بعد 3 أسابيع من سجن بوعلام صنصال.
كما أيّد المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا، هذا النهج، وهو من القلائل الذين حافظوا على تواصل دائم مع الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والجزائري تبون، وأكد فرانسوا زيمراي، محامي بوعلام صنصال، الذي لعب دورًا محوريًا في الضغط على الهيئات الدولية، خاصة الأمم المتحدة، قائلًا: "نعمل جميعًا معًا على هذا النهج الألماني منذ عام".
وناشد لجنة دعم بوعلام صنصال عدم انتقاد الجزائر بشدة، مكررين نفس الحجة لوزير الداخلية آنذاك، برونو ريتيلو، على غرار: "كلما هاجمتم الجزائريين، ازدادوا تشددًا. وهذا أمر غير مجدٍ".
وأعلنت برلين فورًا استعدادها للعمل على إطلاق سراح صنصال، الكاتب المعروف في ألمانيا، وكان لجوءه إلى ألمانيا قيد الدراسة عندما ظن ماكرون، في الـ31 من شهر آذار/مارس الماضي، أنه قد يحصل على عفو من الرئيس تبون.
وابتهج رئيس الدولة الفرنسي آنذاك، قائلاً: "تمت الصفقة، سيُطلق سراح بوعلام"، وأرسل مبعوثيه إلى الجزائر، وهم كل من رئيس المديرية العامة للأمن الخارجي نيكولا ليرنر، ومستشاريه الدبلوماسيين، إيمانويل بون، وآن كلير ليجاندر، ووزير خارجيته آنذاك، جان نويل بارو، في الـ7 من شهر نيسان/أبريل الماضي.
غير أن قراراً آخر تسبب في انهيار كل شيء في غضون ساعات، حين اندلعت أزمة جديدة بعد أن اعتقلت الشرطة الفرنسية موظفًا قنصليًا جزائريًا، وطُرد عدد كبير من الموظفين من كلا الجانبين، وتواصلت الاتهامات. جادلت السلطات الجزائرية باستحالة العفو الرئاسي، لأن بوعلام صنصال كان قد استأنف الحكم الابتدائي الصادر بحقه. كان عليهم انتظار إعادة المحاكمة، والتحلّي بالصبر.
ودفعت فرنسا ثمنًا باهظًا بانهيار كامل في العلاقات الاقتصادية والأمنية، وهو أمر غير مسبوق ومقلق في تاريخ البلدين، وأصبح هذا الوضع أيضًا لا يُطاق بالنسبة للجزائر، التي أضعفها تصاعد خطر المتشددين على حدودها في مالي، وزادت خشيتها من تهديد الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات.
وكانت الجزائر تنتظر اللحظة المناسبة، وقد أرضاها رحيل برونو ريتيلو في أوائل أكتوبر، وقام خليفته في وزارة الداخلية بالعديد من المبادرات التصالحية لذا، قبلت يد ألمانيا الممدودة.
ويشير أحد المراقبين إلى أن "هذا الإفراج لا يعني نهاية الأزمة بين البلدين، بل بداية نهج جدّي لحل الأزمة، وهو بحد ذاته خطوة كبيرة".