انفجارات تُسمع في القدس بعد رصد إسرائيل إطلاق صواريخ إيرانية
قال الخبير في ترسيم الحدود البرية والبحرية، العميد المتقاعد خليل الجميّل، إن إعلان وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين عن دراسة إلغاء اتفاقية الترسيم البحري مع لبنان الموقّعة العام 2022 يثير تساؤلات مهمة حول استخدام هذا الملف كأداة ضغط سياسي إسرائيلية في الأزمات مع لبنان.
وأضاف الجميّل، في حوار مع "إرم نيوز"، أن هذه ليست المرة الأولى التي تصدر فيها إسرائيل مثل هذه التصريحات، إذ سبق لوزير الطاقة نفسه أن صرح خلال حرب جنوب لبنان العام 2024 بأن "توقيع اتفاق الغاز مع لبنان كان خطأ منذ البداية، وسوف نحرص على تصحيحه".
وأشار إلى أن إذاعة الجيش الإسرائيلي سبق أن نقلت عن وزير الطاقة الإسرائيلي قوله إن "إسرائيل تبحث عن ثغرة لإلغاء اتفاق الغاز الفاضح مع لبنان"، وفق وصفه.
وذكر الجميّل أن الحديث عن هذا الملف انتهى حينها بعد توقيع اتفاق وقف الأعمال القتالية بين لبنان وإسرائيل في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني العام 2024، قبل أن يعود إلى الواجهة مجدداً خلال الحرب الأخيرة.
وتالياً نص الحوار:
في العام 2022، توصل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق غير مباشر لترسيم الحدود البحرية بينهما، وتم توقيعه في أكتوبر/ تشرين الأول من العام ذاته، وذلك بعد مفاوضات شاقة وغير مباشرة استمرت لعامين بوساطة أمريكية، والاتفاق يحدد الحدود البحرية بين البلدين ضمن مساحة مائية واعدة بالموارد الهيدروكربونية وفي مقدمتها الغاز الطبيعي.
وقد أتاح اتفاق الترسيم للبنان المباشرة في محاولة استثمار حقوله البحرية النفطية من دون عوائق قانونية وذلك بعد أن كانت هذه الحقول موضع نزاعٍ طويل بين الطرفين استمر لأكثر من 12 عاماً، وقد استعاد لبنان في هذه الاتفاقية البحرية مساحة 860 كيلومتراً مائياً مربعاً في البحر المتوسط بعد أن كانت إسرائيل تعتبرها منطقة مُتنازعاً عليها وتدّعي ملكيتها.
قوبل الاتفاق حينها من قبل بعض الأطراف في لبنان بنقدٍ لاذع باعتبار أن بعض المساحات البحرية التي كان يعتقد أنها ضمن الحدود اللبنانية قد تم التنازل عنها، في حين أن الاعتراض عليه في الداخل الإسرائيلي كان محدوداً، وفي 12 أكتوبر/ تشرين الأول، وافق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر على هذا الاتفاق وأحاله إلى الكنيست الذي وافق وصدّق عليه في الشهر نفسه.
من دون شك فإن إسرائيل تستخدم التهديد بإلغاء الاتفاقية كأداة سياسية للضغط على لبنان، ليس فقط بهدف إعادة فتح النقاش حول الترسيم البحري، بل أيضاً لتعزيز موقفها السياسي على ضوء الحديث عن إمكانية البدء بمفاوضات مباشرة بين الطرفين من أجل التوصّل الى حلول لإنهاء الحرب المدمرة الدائرة منذ أسبوعين.
ويبرز هذا الاحتمال في ظل الأوضاع الداخلية الصعبة في لبنان، حيث يعاني البلد من أزمة سياسية واقتصادية خانقة، وإسرائيل تراهن على أن التلويح بإلغاء الاتفاقية سيكون عنصراً إضافيّاً ضاغطاً في أي مفاوضات مقبلة، وبأن أي تغيير في الاتفاقية سيزيد من الانقسامات بين القوى السياسية اللبنانية، لا سيما بين من رفض الاتفاق وانتقده سابقاً من جهة، ومن وافق عليه كحاجة ملحة للاستفادة من الموارد البحرية من جهّة أخرى.
من الناحية القانونية، في حال قررت إسرائيل اتخاذ خطوة من هذا النوع، فإنها ستواجه تداعيات قانونية على الصعيد الدولي، فالاتفاقية بين لبنان وإسرائيل تم إيداعها في الأمم المتحدة، وهو ما يضفي عليها طابعاً قانونياً دولياً يتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين الطرفين، وبالتالي، فإذا قررت إسرائيل إلغاء الاتفاقية بشكلٍ أحادي، فإن هذا يعتبر خرقاً للقانون الدولي.
وفي ما يتعلق بالقانون الدولي، فإن اتفاقية الترسيم بين لبنان وإسرائيل تخضع للأطر التي تحددها المعاهدات الدولية، ووفقاً لاتفاقية فيينا العام 1969 لقانون المعاهدات، فإنه من الصعب جداً إلغاء المعاهدة أو تعديلها من قبل أحد الأطراف دون موافقة الطرف الآخر، كما أن الأمم المتحدة كانت قد أودعت الاتفاقية في سجلاتها بطلب من إسرائيل نفسها، مما يعكس الطابع القانوني الدولي لهذا الاتفاق، وإلغاؤه قد يؤدي إلى رد فعل دولي سلبي تجاه إسرائيل، خصوصاً من قبل الولايات المتحدة، التي لعبت دوراً أساسياً في تسهيل توقيع الاتفاق.
كما أن هذا الإلغاء سيرتب تداعيات كبيرة على مصداقية إسرائيل في التعامل مع المعاهدات الدولية وخاصّةً مع الاتفاقيات البحرية لترسيم حدود مناطقها الاقتصادية الخالصة لا سيما تلك التي وقعتها سابقاً مع مصر العام 2003 ومع قبرص العام 2010.
ومن ناحية ثانية فإن إلغاء الاتفاقية سيجعل من هذه المساحة منطقة متنازعاً عليها من جديد، ولن تتمكن إسرائيل من استغلال مواردها النفطية، ففي ظل هذه الظروف غير القانونية لن تُقدم أي شركة نفط على الحفر والاستكشاف فيها كون هذه الشركات لا تعمل في مناطق متنازع عليها خوفًا من مقاضاتها دوليًّا وتغريمها.
من جهة لبنان، فهو لا بد أن يعتبر أي تهديد بإلغاء الاتفاقية بمثابة استفزاز خطير، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية والسياسية التي يعاني منها، فالاتفاقية بالرغم من أنها كانت مجحفة بحق لبنان، إلا أنها كانت خطوة ضرورية لضمان حقوقه النفطية، وهي تقدم فرصة نادرة للبلاد من أجل الخروج من أزماتها الاقتصادية من خلال استثمار الموارد الهيدروكربونية البحرية في مياهها الاقتصادية الخالصة.
أما في حال قررت إسرائيل إلغاء الاتفاق فإن لبنان قد يلجأ إلى الأمم المتحدة، وإلى الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها راعية الاتفاق مطالباً بالحفاظ على الاتفاقية كعامل استقرار في المنطقة، وهو حتماً لن يوقع على اتفاقية جديدة تنتقص من حقوق كان قد حصل عليها سابقاً.
وبذلك، يبقى تهديد إسرائيل بإلغاء اتفاقية الترسيم البحري مع لبنان بمثابة ورقة ضغط سياسية تهدف إلى تحقيق مكاسب في المفاوضات المقبلة.
أما من الناحية القانونية، فإن أي خطوة أحادية لإلغاء الاتفاقية تشكّل خرقاً للقانون الدولي وتضع إسرائيل في مواقف معقّدة على الساحة الدولية.
وبالنسبة للبنان، يعد الاتفاق خطوة مهمة للاستفادة من موارده البحرية في ظل الأزمات الحالية، لذلك، فإن الحفاظ عليه بشتى الطرق ضروري لضمان الاستقرار وتجنب مشاكل أكبر في المستقبل.