استنفر تدهور الدينار الليبي السلطات في طرابلس، حيث عقد رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، وممثلون عن المصرف المركزي، مجموعة من الاجتماعات لبحث آلية توقف نزيف العملة.
وقال الدبيبة عقب الاجتماعات إن "من الضروري الالتزام بالاتفاق المالي الموقع؛ لضمان وقف تدهور العملة الوطنية، بما يحول دون وقوع انعكاسات سلبية على القدرة الشرائية للمواطنين واستقرار الأسعار".
جاء هذا الحراك بعد أن نظم متظاهرون احتجاجا أمام مقر المصرف المركزي للمطالبة بالإصلاح الاقتصادي، ومحاسبة من أسموهم بالفاسدين وناهبي المال العام.
وقال المحلل السياسي الليبي، الدكتور خالد محمد الحجازي: "تعاني ليبيا في السنوات الأخيرة من أزمة اقتصادية خانقة، تُعد أزمة تدهور الدينار الليبي أحد أبرز مظاهرها. الدينار الليبي يشهد انخفاضاً مستمراً في قيمته، مما يؤدي إلى زيادة التضخم وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، ما يثقل كاهل المواطنين الذين يعانون أصلاً من ضعف الدخل".
وتابع الحجازي، لـ"إرم نيوز"، أنّه "في ظل هذه الأوضاع، تبذل السلطات الليبية ممثلة في حكومة الدبيبة، ومصرف ليبيا المركزي بقيادة ناجي عيسى، جهوداً متواصلة لوقف نزيف العملة، إلا أن السبب الأساسي لهذه الأزمة لا يكمن فقط في الظروف الاقتصادية العالمية أو التقلبات النفطية، بل في طريقة إدارة الدولة وغياب التنسيق الفعّال بين مؤسساتها".
وأشار إلى أن "تدهور العملة الوطنية في ليبيا ليس مجرد مشكلة اقتصادية طارئة، بل هو نتيجة حتمية للسياسات الفاشلة التي انتهجتها السلطات الليبية على مدى سنوات من الانقسام السياسي والتأجيل المستمر للإصلاحات الاقتصادية الضرورية".

وأوضح أن "الحكومات المتعاقبة عملت على تفكيك المؤسسات الاقتصادية بدلاً من تعزيزها، مما أسهم في غياب التنسيق بين المؤسسات المالية مثل المصرف المركزي، وحكومة الوحدة الوطنية، إضافة إلى ضعف الرقابة على السوق الموازية التي تُسهم بشكل كبير في تدهور سعر الدينار".
وبيّن الحجازي أنّ "الاقتصاد الليبي يعتمد بشكل كبير على الإيرادات النفطية، لكن التقلبات في أسعار النفط عالمياً لم تُستثمر بشكل جيد لإحداث تنمية اقتصادية متنوعة. بدلاً من ذلك، استمرت الحكومات في اتباع سياسات نقدية غير مدروسة، مثل الإفراط في طباعة النقود ودعم السلع على حساب الاحتياطات المالية".
وأكد أن "هذه السياسات جعلت الاقتصاد في حالة تذبذب مستمر وأدى إلى تدهور قيمة الدينار. إضافة إلى ذلك، فإن الانقسام السياسي في البلاد جعل من الصعب اتخاذ قرارات اقتصادية استراتيجية موحدة، وأدى إلى سيطرة أطراف معينة على بعض القطاعات الحيوية، مما أعاق الاستفادة الكاملة من الموارد الوطنية".
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي الليبي، حسام الفنيش، أنّ "التحركات الأخيرة بين رئيس حكومة الوحدة ورئيس المجلس الأعلى للدولة وإدارة مصرف ليبيا المركزي محاولة لاحتواء تدهور العملة الوطنية، لكنها حتى الآن تبدو أقرب إلى استجابة ظرفية لضغط السوق منها إلى كونها جزءا من رؤية اقتصادية شاملة ومستدامة".
وأضاف الفنيش، لـ"إرم نيوز"، أنّ "المشكلة لا ترتبط فقط بأدوات نقدية أو إجراءات مالية جزئية بل بغياب إطار استراتيجي موحّد يربط بين السياسات المالية والنقدية والتجارية، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وتعدد مراكز القرار الاقتصادي؛ ما يضعف فاعلية أي إجراءات ويجعل أثرها مؤقتا وقابلا للتآكل السريع".
ولفت إلى أن "استقرار سعر الصرف لا يمكن تحقيقه عبر قرارات منفردة أو تفاهمات محدودة، بل يتطلب هوية اقتصادية واضحة للدولة، وخطة إصلاح متكاملة تشمل ضبط الإنفاق العام وتوحيد المؤسسات وتحسين إدارة الإيرادات وتوجيه الطلب على النقد الأجنبي، وفق أولويات إنتاجية حقيقية مع شفافية كاملة في البيانات المالية، وخضوع السياسات الاقتصادية للرقابة والتقييم".
وشدد الفنيش على أنّ "استمرار نزيف العملة الوطنية لم يعد شأنا ماليا فنيا فحسب، بل تحول إلى قضية مجتمعية ضاغطة تنعكس مباشرة على مستويات الأسعار والقدرة الشرائية والأمن المعيشي للمواطن. ومع غياب رؤية واضحة وضعف التنسيق بين الأدوات الاقتصادية فإن المعالجات الجزئية لن تكون كافية".