logo
منوعات

الانتحار في مصر.. جدل واسع بين "الصدمة" و"المبالغة"

تعبيريةالمصدر: iStock

شهدت الساحة المصرية، في الآونة الأخيرة، جدلاً متصاعداً حول الانتحار في البلاد وأسبابه انتشاره عبر العديد من الحوادث التي وُصفت بـ"الصادمة"، في مؤشر لافت على وجود أزمة مثيرة للقلق، لاسيما أن الضحايا من كل الطبقات وليس من البسطاء فقط.

وبينما يرى البعض أننا بإزاء "ظاهرة  آخذة في الاتساع"، يؤكد البعض الآخر أننا أمام "حالات فردية"، تم تضخيمها و"المبالغة" فيها عبر منصات التواصل الاجتماعي، في شعب تجاوز تعداده رسمياً 108  مليون نسمة.

ورغم الاختلاف حول حجم المشكلة على مستوى الكم، إلا أن الطرفين يتفقان على خطورة الأمر ووجوب دراسته، في كل الأحوال، للوقوف على الأسباب وطرق الوقاية.

أخبار ذات صلة

التيكتوكر المصرية "جاسمين"

بعد "بلوغر الإسكندرية".. ما حقيقة محاولة انتحار التيك توكر "جاسمين"؟

ويؤكد الباحث دكتور ياسر ثابت في كتابه "شهقة اليائسين – الانتحار في العالم العربي" أن صعوبة تقديم أرقام موثوقة حول حالات الانتحار تعود إلى أن المجتمعات العربية، ومنها المصري، لا تزال تتعامل مع الأمر باعتباره "وصمة مجتمعية" و"حادثاً يجلب العار" وبالتالي لابد من التكتم عليه وعدم مشاركة تفاصيله.

بين الإناث والذكور

من أكثر التقارير موثوقية في هذا السياق التقرير الصادر عن مركز البحوث الاجتماعية والجنائية، التابع لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، العام 2020، والذي يشير إلى أن معدل الانتحار لا يتجاوز 1.29 شخص لكل 100 ألف نسمة من بين المصريين. 

وكشفت دراسة لـ "المجلس القومي للسموم" في جامعة القاهرة عن وصول عدد حالات الانتحار إلى ما يتجاوز 3 آلاف حالة سنويا، والمفارقة أن الإناث شكلن النسبة الأكبر بـ68% مقابل 32% للذكور، وهو ما عزته الدراسة إلى أزمات البطالة، وتأخر سن الزواج، والتنمر المجتمعي ضد الفتيات. 

أخبار ذات صلة

البلوغر داليا فؤاد

كيف أنقذت والدة الإعلامية داليا فؤاد ابنتها من فخ الانتحار؟

وفي سنوات أخرى، أظهرت الدراسات أن كفة الذكور هي الأرجح في عدد حالات من يقررون إزهاق أرواحهم بأنفسهم، نتيجة عدم البوح، وكتم الضغوط داخلهم، فضلاً عن المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، على عكس الإناث اللواتي يملن بطبيعتهن إلى التحدث باستفاضة عما يشعرن به.

خلل في كيمياء المخ 

ويشير دكتور مدحت ثابت، استشاري أمراض المخ والأعصاب، إلى أن الاضطرابات النفسية دائماً ما تصعد إلى واجهة النقاش، فضلاً عن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، عندما يتعلق الأمر بالانتحار، لكنه يفرّق بين مشكلات نفسية يمكن التعايش معها وبين أخرى عضوية تتعلق بخلل في كيمياء المخ.

ويوضح في تصريح إلى "إرم نيوز" أن الأفراد الذين يعانون من هذا الخلل الكيميائي تبرز لديهم علامات سريرية واضحة تؤكد إصابتهم، ومن أبرزها: الرغبة الشديدة في الانعزال، والانسحاب من البيئة العملية، وفقدان السيطرة على استقرار الحياة العامة، وعند تفاقم الحالة، وغياب العلاج السريع، يأتي القرار الصادم بإنهاء الحياة.

ويرى  أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، الدكتور وليد رشاد، أن الأسباب المؤدية لإنهاء الحياة شهدت تحولاً لافتاً بمرور الزمن،  فبينما كان الفشل في الحب يمثل محركاً تقليدياً في السابق، بات الانتحار مرتبطاً أكثر بالهشاشة النفسية، وغياب شبكات الأمان الاجتماعي من العائلة والأهل والأصدقاء.

أخبار ذات صلة

الانتحار (تعبيرية)

انتحار بلوغر الإسكندرية.. مصر تتحرك لتدعيم الصحة النفسية

ويشير في تصريح إلى "إرم نيوز" إلى أن ذلك يندرج ضمن ما يعرف بمفهوم  "الأنوميا" في علم الاجتماع، والمقصود به  حالة من "اللا معيارية"، أو التفسخ في القواعد المنظمة للعلاقات المجتمعية، ما يترك الفرد في مواجهة مباشرة مع أزماته الحادة دون ظهير اجتماعي يحميه من الانهيار.

قاتل صامت

وبحسب الدراسات المختصة، تتعدد الطرق المختلفة التي يلجأ إليها المنتحرون ومن أبرزها أن يلقي أحدهم بنفسه من أعلى برج القاهرة الذي يبلغ ارتفاعه 187 متراً أو يلقي بجسمه في نهر النيل، والبقعة المفضلة هنا هي كوبري "قصر النيل" بوسط العاصمة. 

وانتشرت في القرى والمناطق الريفية حوادث قتل النفس من خلال "حبة الغلال" وهي مبيد حشري فعال في حماية مخزون المحاصيل الزراعية من القوارض والتسوس، غير أن هذا الاستخدام قابله وجه مأساوي، إذ تحولت إلى وسيلة انتحار زهيدة الثمن وسهلة الاقتناء، خاصة بين فئة الفتيات والمراهقات.

وتصفها وسائل الإعلام  بأنها "قاتل صامت"، حيث يودي مفعولها بحياة الشخص خلال ساعات قليلة دون أن يشعر المحيطون به، وهي تتكون من مادة "فوسفيد الألمنيوم" عالية التركيز، وتتوافر في الأسواق بأسماء تجارية عديدة، ومستوردة غالباً من الهند والصين.

أخبار ذات صلة

بسنت سليمان

قرار قضائي عاجل ضد إعلامية مصرية.. والسبب "بلوغر الإسكندرية"

وهناك أيضاً وسائل إنهاء الحياة من خلال الشنق عبر أنشوطة يعلّقها المنتحر في سقف الغرفة، كما تم في بعض الحالات اللجوء إلى تصويب سلاح ناري إلى الرأس وإطلاق رصاصة قاتلة. 

الصحراء كوسيلة للحماية 

خلصت دراسة أجرتها الباحثة مرفت عبد العزيز، حول "تحليل مضمون" لأخبار الانتحار المنشورة في الصحافة المحلية إلى أنه من حيث النطاق الجغرافي، تتوزع الوقائع على ربوع مصر كافة، ولم تترك محافظةً مصريةً إلا وكان لها نصيب منها.

واللافت أن المحافظات الحضرية كالجيزة، والقاهرة، والإسكندرية، والقليوبية، والمحافظات الأقرب لها كالشرقية، تضمّنت العدد الأكبر.  

أما أقل المحافظات في تعرضها لحوادث من هذا النوع، فكانت محافظات: جنوب سيناء، ومطروح، وشمال سيناء، وهو ما يعزوه باحثون إلى نمط الحياة الصحراوي البدوي في تلك المحافظات الحدودية والذي يجعلها بمنأى عن ضغوط المدنية.

مبادرات للدعم النفسي

مبادرات للدعم النفسي في مصر

وإزاء توالي حوادث الانتحار بكثرة في الفترات الأخيرة، انطلقت عبر جهات ومؤسسات مختلفة العديد من المبادرات التي تهدف إلى توفير شبكة دعم نفسي لمن يواجه حالة حادة من الاضطرابات وبات على حافة إنهاء حياته.

ومن أبرز تلك المبادرات "حياتك تستاهل تتعاش" التي أطلقتها وزارة الصحة، ممثلة في الأمانة العامة للصحة النفسية، واضعةً هدفًا واضحًا أمامها وهو ألا يُترك أحد وحيدًا في مواجهة الألم، بحسب صناع المبادرة.

 وهناك أيضاً مبادرة "أنت غال علينا" التي أطلقها "مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية" والتي تركز على فتح نافذة أمل لكل شاب أو فتاة يتخبط في ظلام اليأس.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC