يستعد الاتحاد الأوروبي لإطلاق حزمة طاقة طارئة شاملة، في محاولة للحد من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مع إيران، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أزمة طاقة معقدة ومتغيرة يصعب احتواؤها بسرعة.
وتعتزم المفوضية الأوروبية الإعلان عن الإجراءات الجديدة الأربعاء، وسط حالة من عدم اليقين بشأن طبيعة الأزمة نفسها، التي تحولت خلال أسابيع من مخاوف بشأن ارتفاع الأسعار إلى قلق بشأن إمدادات الغاز، ثم إلى أزمة محتملة في وقود الطائرات والديزل، مع استمرار التوترات في مضيق هرمز الحيوي، بحسب "بلوتيكو".
منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، يواجه الاتحاد الأوروبي سلسلة متلاحقة من التحديات في قطاع الطاقة، بدأت بارتفاع أسعار الطاقة، ثم تصاعدت إلى مخاوف بشأن نقص الغاز، قبل أن تتوسع لتشمل تراجع مخزونات وقود الطائرات وقدرات التكرير.
وزادت المخاوف مع استمرار التوترات في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية؛ ما يجعل أي اضطراب فيه مؤثراً على الأسواق العالمية، حتى وإن كانت واردات الاتحاد الأوروبي المباشرة من الخليج محدودة نسبياً.
وبحسب مسودات الوثائق، ستعتمد خطة الاتحاد الأوروبي بشكل أساسي على استخدام القوانين الحالية مع إدخال تعديلات مؤقتة لتعزيز الدعم للدول الأعضاء.
وتتضمن الإجراءات المقترحة السماح للحكومات بتغطية ما يصل إلى 70% من تكاليف الطاقة بالجملة حتى ديسمبر، إضافة إلى تغطية 50% من تكاليف الوقود الإضافية لبعض القطاعات المتضررة. كما تعمل المفوضية الأوروبية على إعداد تخفيضات ضريبية موجهة لخفض فواتير الطاقة.

لكن مراقبين يرون أن هذه الإجراءات قد توفر تخفيفاً محدوداً فقط، دون معالجة جذور الأزمة، خاصة في ظل الاعتماد الطويل الأمد على الوقود الأحفوري.
رغم أن الاتحاد الأوروبي لا يعتمد بشكل كبير على واردات الغاز المباشرة من الخليج، إلا أن التحول إلى الغاز الطبيعي المسال بعد تقليص الاعتماد على الغاز الروسي خلق تحدياً جديداً.
فناقلات الغاز المسال يمكنها تغيير وجهتها بسهولة نحو الأسواق الأكثر ربحية؛ ما يعني أن إغلاق مضيق هرمز أو تعطل الإمدادات قد يدفع الشحنات بعيداً عن أوروبا إلى آسيا، وهو ما يهدد الإمدادات الأوروبية.
وتفاقمت هذه المخاوف في 19 مارس عندما تعرض حقلان كبيران للغاز في قطر للقصف؛ ما أدى إلى فقدان نحو 3% من الإمدادات العالمية بشكل مفاجئ.
وأعلنت شركة الطاقة القطرية حالة القوة القاهرة في عقودها مع دول أوروبية مثل إيطاليا وبلجيكا، محذرة من أن استعادة الإنتاج قد تستغرق سنوات.
ومع تحسن نسبي في إمدادات الغاز، برزت أزمة جديدة تتعلق بوقود الطائرات والديزل، حيث يعتمد الاتحاد الأوروبي بشكل كبير على واردات من الخليج يمر نحو 40% منها عبر مضيق هرمز.
وبدأت الحكومات الأوروبية بالفعل في دراسة إجراءات لترشيد استهلاك الوقود، بما في ذلك تشجيع تقليل السفر، والنظر في مشاركة الوقود بين الدول، وتحذيرات من تخزين الوقود.

ورغم إطلاق نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية من قبل دول غنية بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية، يحذر محللون من أن أوروبا قد تمتلك فقط ستة أسابيع من إمدادات وقود الطائرات في حال استمرار الاضطرابات.
تواجه المفوضية الأوروبية أيضاً تحديات في تنسيق الاستجابة بين الدول الأعضاء؛ إذ اتخذت بعض الدول إجراءات منفردة، مثل هولندا التي أطلقت مخزونات نفط إضافية بشكل مستقل.
كما أظهرت المناقشات بين الدول الأعضاء ضعف التنسيق، لدرجة أن أحد وزراء الطاقة اقترح إنشاء مجموعة على تطبيق "واتساب" لتبادل المعلومات حول الإمدادات.
تتمسك المفوضية الأوروبية بخطتها طويلة الأمد للتحول إلى الطاقة النظيفة، معتبرة أن تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري هو الحل الدائم للأزمات المتكررة.
لكن هذا التوجه يثير انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تخشى بعض الدول من أن يؤدي توسيع الدعم إلى تشويه السوق الموحدة، بينما ترى دول أخرى أن الإجراءات الحالية غير كافية لمواجهة الأزمة.
وقال وزير الطاقة الليتواني زيغيمانتاس فايتشيوناس إن إنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري هو الحل الوحيد على المدى الطويل، لكنه أقر بأن التحول السريع ليس ممكناً لجميع الدول، مشيراً إلى أن العديد من الحكومات لا تملك الموارد المالية الكافية لتسريع هذا التحول.
يدرك المسؤولون الأوروبيون أن الأزمة الحالية قد تمتد حتى بعد انتهاء الحرب، نظراً للتغيرات العميقة في سلاسل إمدادات الطاقة العالمية، والتي قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار لسنوات.
وفي ظل هذه التحديات، تبدو خطة الاتحاد الأوروبي الطارئة محاولة لاحتواء أزمة متحركة، بينما تستعد العواصم الأوروبية لمرحلة طويلة من عدم الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية.