حذَّر خبراء اقتصاديون وإستراتيجيون من أن الاقتصاد الإيراني قد يكون الطرف الأكثر هشاشة في المواجهة الحالية، في ظل الضغوط المتزامنة للحرب والعقوبات الأمريكية والحصار البحري، إضافة إلى تداعيات تعطيل طهران لحركة الملاحة في مضيق هرمز، ما قد يدفع البلاد إلى أزمة اقتصادية عميقة حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية.
جاءت هذه التقديرات خلال جلسة حوار مفتوح نظمتها منظمة "إيران إنترناشونال إنسايت" في واشنطن، بمشاركة عدد من الخبراء، بينهم محمد ماشين-شيان، ومياد مالكي، وجيسون برودسكي، وبوزورجمهر شرف الدين.
اندلعت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في الـ28 من فبراير الماضي، واستمرت حتى إعلان وقف إطلاق نار مؤقت في الـ7 من أبريل لمدة أسبوعين، قبل تمديده في الـ21 من أبريل.
ورغم التهدئة العسكرية، استمر الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية؛ ما زاد الضغوط الاقتصادية على طهران.
وقال مياد مالكي، الزميل البارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إن إيران لطالما هددت بإغلاق مضيق هرمز، لكنها لم تهيئ اقتصادها لتحمل تداعيات مثل هذه الخطوة، خاصة في ظل احتمال فرض حصار بحري.
وأوضح أن الاقتصاد الإيراني يعتمد بشكل كبير على التجارة التي تمر عبر المضيق، مشيرًا إلى أن إغلاقه قد يؤدي إلى خسائر يومية تُقدَّر بنحو 455 مليون دولار.
وأضاف أن الضغوط الاقتصادية تتزايد على إيران بوتيرة أسرع من خصومها، نتيجة الحرب وأزمة العملة وتضرر قطاعات التصدير الرئيسية؛ ما يجعل طهران أكثر عرضة للخطر رغم التأثيرات المحتملة في أسواق الطاقة العالمية.
من جانبه، رأى جيسون برودسكي، مدير السياسات في منظمة "متحدون ضد إيران النووية"، أن الإدارة الأمريكية تتبنى إستراتيجية "الدبلوماسية القسرية" المدعومة بالقوة العسكرية، تقوم على طرح خيار عسكري مع منح طهران مخرجًا دبلوماسيًّا بشروط محددة ومهلة زمنية، قبل اللجوء إلى التصعيد إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
وأشار برودسكي إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ولايته الثانية، قد يكون أكثر استعدادًا لتحمل ضغوط اقتصادية أو سياسية طويلة، في إطار سعيه لترسيخ إرثه السياسي، مضيفًا أن واشنطن تمكنت بالفعل من تحقيق مكاسب لم تحققها الدبلوماسية وحدها، مثل: الضغط على طهران للنظر في تعليق تخصيب اليورانيوم مؤقتًا.
تركز النقاش خلال الجلسة على سؤال رئيسي: من سينهار أولًا؛ إيران أم الولايات المتحدة أم الاقتصاد العالمي؟
وأشار بوزورجمهر شرف الدين إلى أن تعطيل إيران لمضيق هرمز يعادل "فرض عقوبات على العالم"، بينما يمثل الحصار الأمريكي استخدامًا للقوة العسكرية لفرض العقوبات على طهران.
ورأى مالكي أن الاقتصادات الآسيوية ستكون أول المتضررين من أزمة طويلة في مضيق هرمز، نظرًا لاعتماد دول، مثل: اليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية، على تدفقات الطاقة عبر المضيق بنسبة تصل إلى 90% من النفط و75% من الغاز الطبيعي.
ومع ذلك، أكد أن هشاشة الاقتصاد الإيراني تبقى أكبر مقارنة ببقية الأطراف.
من جانبه، قال محمد ماشين-شيان، الصحفي المتخصص في الشؤون الاقتصادية، إن سوق الأسهم الإيرانية أغلقت لمدة ثمانية أسابيع، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ بورصة طهران. وأضاف أن الحرب غيّرت تقييم الشركات والأصول بشكل جذري، في وقت كانت السوق تعاني أصلًا من تضخم تجاوز 70%.
وأشار إلى أن القطاع المصرفي في "حالة متدهورة"، فيما تواجه صناعة السيارات أزمة عميقة، إضافة إلى تضرر القطاعات الموجهة للتصدير، مثل: البتروكيماويات، والصلب، والنفط، والغاز.
وحذَّر من أن إعادة فتح البورصة قد تؤدي إلى انهيار واسع في الأسعار، حتى مع وجود قيود رسمية تحد من تراجع الأسهم بنسبة 5% يوميًّا.
كما توقع أن يبلغ التضخم نحو 5% شهريًّا حتى نهاية 2026 في أفضل السيناريوهات، مع احتمال تضاعف الأسعار ثلاث مرات خلال عام في حال استمرار حالة "لا حرب ولا سلام"، أو وصول التضخم الشهري إلى أكثر من 20% في حال تجدد النزاع.
وأكد مالكي أن أي اتفاق دبلوماسي لن يؤدي إلى انتعاش سريع للاقتصاد الإيراني، بسبب تعقيد نظام العقوبات وتردد البنوك العالمية في التعامل مع طهران، حتى في حال تخفيف القيود رسميًّا.
وأشار إلى تجربة الاتفاق النووي لعام 2015، حين واجهت إيران صعوبة في الوصول إلى أموالها رغم تخفيف العقوبات، بسبب رفض البنوك التعامل مع المعاملات المرتبطة بإيران.
وأضاف أن رفع العقوبات قد يستغرق أشهرًا أو سنواتٍ، حتى في حال حدوث تغيير سياسي في إيران، محذرًا من أن أي حكومة انتقالية محتملة قد تواجه صعوبة في دفع رواتب الموظفين الحكوميين لأكثر من أسبوعين.
وخلال جلسة الأسئلة، ناقش المشاركون احتمال أن تؤدي الأموال المجمدة أو المساعدات المالية إلى تعافي الاقتصاد الإيراني؛ لكن برودسكي حذَّر من أن أي تدفق مالي قد يُستخدم لإعادة بناء القدرات العسكرية والنووية، بدلًا من دعم الاقتصاد المدني.
في المقابل، رأى مالكي أن تخفيف العقوبات على قطاعات، مثل: المعادن والبتروكيماويات قد يمنح طهران متنفسًا اقتصاديًّا محدودًا، مشيرًا إلى أن هذه العوامل ستحدد ما إذا كان الاقتصاد الإيراني سيواصل التدهور أم يحصل على فرصة للتعافي؟.
واختتم المشاركون نقاشهم بالتأكيد أن الأزمة الاقتصادية الإيرانية لا ترتبط فقط بظروف الحرب، بل تعكس أيضًا أضرارًا هيكلية عميقة قد تستمر حتى بعد انتهاء الصراع أو التوصل إلى اتفاق سياسي.