
في أول أيام رمضان، تخلع دمشق ثوب الزحام الصاخب لترتدي وقار الصيام الهادئ، لكن قلب "الحميدية" يرفض السكون. تحت سقفه العتيق الدافئ بضوء الشمس، يمتزج عبق التاريخ برائحة البخور الشامي التي تفوح من الزوايا، معلنةً بداية شهر الخير. هنا، في "سوق الحميدية"، ينسج الدمشقيون أولى خطواتهم الرمضانية بين حوانيت تضج بالحياة.. من العطور التي تحاكي بساتين الغوطة، إلى الأقمشة والشرقيات التي تروي قصص الحرف اليدوية الأصيلة.
في قلب السوق، يبدو "بكداش" محطة لا تُنسى حتى في نهار الصيام.. حيث يتأمل المارّة واجهته الشهيرة، متوعدين بزيارة مسائية تلي الإفطار لتذوق البوظة العربية المدقوقة بالفستق. ومع الاقتراب من نهاية السوق، تبرز أعمدة "جوبيتير" الشاهقة كحارس للزمن، تفتح ذراعيها لساحة الجامع الأموي، حيث يهدأ الصخب وتغدو الساحة ملاذاً للسكينة، يتقاسم فيها الزوار والحمام لحظات من الصفاء الروحاني.
جنوبًا، يناديك "سوق البزورية" بروائحه التي تسبق خطاك.. تلال من التمور الفاخرة، والبهارات التي لا تخلو منها مائدة شامية. هنا، تُباع "الراحة" والملبس الشامي كأيقونات للضيافة، فيما يشمخ "خان أسعد باشا" في المنتصف، شاهدًا على تجارة القوافل التي لم تتوقف يومًا.
هذه المنطقة، ببواباتها وأحيائها، ليست سوقًا تجاريًا عاديًا، إنها الرئة التي يتنفس بها الصائمون. في أول أيام رمضان، يتبادل الدمشقيون التحايا والدعوات في أزقة مدحت باشا والحميدية، مؤكدين أن روح الشام القديمة تظل هي الوجهة الأولى والبوصلة التي توحّد القلوب قبل الموائد.