
في عام 1949 قال ماو تسي تونغ إن الصين “وقفت على قدميها”. عبارة تتجاوز الحماسة الثورية، لتعلن نهاية قرن من الإذلال وبداية دولة قررت ألا تُدار من الخارج. بعد أكثر من سبعين عامًا، وفي 2025 تحديدًا، لم تخرج الصين لتكرر العبارة نفسها، لكنها جسّدتها بهدوء براغماتي. لم تعلن نصرًا، ولم ترفع أعلامًا، ولم تُلقِ خطبًا مدوية، لكنها صمدت في وجه تسونامي دونالد ترامب.
عندما عاد الرجل القوي إلى البيت الأبيض وأعاد إشعال الحرب التجارية، كان الرهان في واشنطن تقنيًّا وباردًا: اقتصاد صيني يتباطأ، وقطاع عقاري غارق في الديون، ومستهلك متردد، وحكومات محلية مثقلة بالالتزامات. لحظة مثالية للضغط وانتزاع تنازلات سريعة. لكن بكين قرأت المشهد بعقلية مختلفة. لم تتعامل معه كمعركة كرامة وطنية، بل كاختبار قوة طويل النفس.
بعيدًا عن الصخب، جاء الرد الصيني دقيقًا ومحسوبًا. المعادن الأرضية النادرة تحولت إلى أداة ضغط إستراتيجية، تُستخدم بجرعات محسوبة تضرب الصناعات الأمريكية الأكثر حساسية: السيارات الكهربائية، والدفاع، والتكنولوجيا المتقدمة. القيود الجمركية والتنظيمية رُفعت بما يكفي لإحداث الألم، دون دفع الأسواق إلى الذعر. وفي الوقت نفسه، أعادت الصين هندسة تجارتها العالمية. تراجعت الصادرات إلى الولايات المتحدة، لكن التدفقات اتجهت بقوة نحو آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية. النتيجة كانت فائضًا تجاريًّا قياسيًّا تجاوز 1.2 تريليون دولار. الرسالة واضحة: الصين لا تحتاج منفذًا واحدًا لتبقى لاعبًا عالميًّا.
لكن المفارقة الأهم لم تكن اقتصادية فقط، بل سياسية أيضًا. سياسات “أمريكا أولًا” التي أرادها ترامب طريقًا لإعادة العظمة الأمريكية، تحولت في نظر كثيرين إلى محرك غير مباشر لصعود الصين. الرسوم الجمركية، والانسحاب من الاتفاقيات، توتير العلاقة مع الحلفاء، والتعامل القائم على الإكراه لا الشراكة… كلها خطوات أضعفت صورة واشنطن كقائد للنظام العالمي. في المقابل، بدت بكين أكثر هدوءًا، أكثر ثباتًا، وأقل اندفاعًا. استطلاعات الرأي الدولية أظهرت أن غالبية شعوب العالم تتوقع تزايد النفوذ الصيني خلال العقد المقبل، بينما تتراجع الثقة بالولايات المتحدة حتى بين حلفائها التقليديين في أوروبا. هكذا، وبمفارقة لافتة، أسهمت سياسات ترامب في جعل الصين تبدو “أعظم”، لا لأن بكين غيرت جلدها، بل لأن واشنطن غيّرت موقعها.
عام 2025 كان عام الوقوف بثبات. أما 2026، فسيكون عام الامتحان الحقيقي: هل تستطيع الصين تحويل هذا الصمود الخارجي إلى قوة داخلية مستدامة؟ أم أن ما رأيناه لم يكن سوى استراحة قصيرة قبل جولة أشد قسوة في صراع طويل؟