"الحرس الثوري": انتهى عصر هيمنة الولايات المتحدة وعليها الاختيار بين الموت أو مغادرة المنطقة

لم يكن علي لاريجاني مجرد اسم بارز داخل بنية النظام الإيراني، ولا مجرد مسؤول يمكن تعويضه بسهولة في هرم الدولة، فالرجل ارتبط، على مدى سنوات، بصورة السياسي الذي يعرف كيف يتحرك بين المؤسسات الحساسة، من الأمن إلى السياسة إلى الدبلوماسية، دون أن يفقد مكانته داخل دوائر القرار، لهذا، فإن غيابه لا يبدو حدثاً عادياً في مشهد إيراني شديد التعقيد.
أهمية لاريجاني لا تنبع فقط من المناصب التي شغلها، بل من نوع الدور الذي مثّله داخل النظام. فقد كان من الشخصيات القادرة على مخاطبة أكثر من جناح بلغة مفهومة ومقبولة، وهي ميزة نادرة في الأنظمة المغلقة التي تتداخل فيها مراكز النفوذ والحسابات الأمنية، ومن هنا، فإن استهدافه قد يُفهم بوصفه ضربة لشخصية نافذة، لكنه قد يتجاوز ذلك إلى استهداف مساحة المناورة نفسها داخل طهران.
هذه المناورة كانت تمثل، في كثير من الأحيان، الهامش الذي يتيح للنظام الإيراني الانتقال من حافة التصعيد إلى لغة التفاوض، ومن منطق المواجهة المفتوحة إلى محاولات الاحتواء، وفي لحظات التوتر الكبرى، يصبح وجود شخصيات قادرة على إدارة هذا الانتقال عاملاً حاسماً في منع الانزلاق إلى انفجار أوسع. لذلك، فإن فقدان لاريجاني قد يعني خسارة أحد العقول التي تعرف متى تتشدد، ومتى تفتح نافذة للتراجع المحسوب.
لاريجاني لم يكن محسوباً على خطاب التهدئة التقليدي، ولم يكن أيضاً خارج بنية التشدد التي تحكم جزءاً كبيراً من القرار الإيراني، لكنه كان أقرب إلى نموذج الرجل الذي يفهم قواعد الصراع وحدود الانفجار في الوقت نفسه. وهذه القدرة على الجمع بين الصلابة والبراغماتية جعلت منه رقماً مختلفاً في معادلة الحكم، لا سيما في الأوقات التي تحتاج فيها طهران إلى من يوازن بين الرسائل النارية والحسابات الواقعية.
وأظهرت التجربة الإيرانية، على مدار العقود الماضية، أن بعض الشخصيات لا تُقاس أهميتها فقط بمواقعها الرسمية، بل بقدرتها على إدارة اللحظات الحرجة، وفتح أو إبقاء قنوات الاتصال قائمة حتى عندما يبدو المشهد متجهاً بالكامل نحو التصعيد، وفي هذا السياق، فإن غياب لاريجاني لا يعني فقط خسارة اسم سياسي ثقيل، بل خسارة دور وظيفي شديد الحساسية داخل النظام.
لهذا، قد لا يكون اغتيال لاريجاني مجرد تطور أمني في سياق صراع مفتوح، بل مؤشراً على أن الاستهداف بات يطال البنية التي تدير التوازن داخل إيران نفسها. فحين يُستهدف من يعرفون كيف يمنعون النار من التهام كل شيء، فإن الرسالة لا تكون موجهة إلى الحاضر فقط، بل إلى مستقبل إدارة الأزمة أيضا. وهنا تحديداً، يمكن فهم لماذا قد يُنظر إلى اغتياله بوصفه ضربة لعقل المناورة الإيراني.