يرى خبراء أن عمل إيران على تحويل مركز التفاوض من الملف النووي إلى الطاقة والملاحة، جاء في محاولة منها إلى رفع الضغط الأمريكي، إلى جانب عدم وجود توافق داخل النظام فيما يخص الشروط الأمريكية الخاصة بالبرنامج النووي.
وعملت إيران على إعادة ترتيب أوراق المواجهة مع الولايات المتحدة، في ظل المقترح الذي تقدمت به والقائم على الرغبة في تحويل مركز التفاوض من الملف النووي إلى الطاقة والملاحة، في محاولة لتفكيك الضغط الأمريكي الحالي بشكل تدريجي.
وتشعر طهران بضغط مضاعف من قبل الإدارة الأمريكية في الحصار الجاري على موانئها، وهو ما جاء بفقدانها ورقة الكلفة الاقتصادية التي كانت تراهن عليها أمام واشنطن، لتمسك الولايات المتحدة بها حاليًا، وتصبح سلاحًا عكسيًا في يدها.
وسارعت إيران بتقديم ورقة التفاوض الجديدة، بحسب خبراء، بعد أن تعاظم الضغط الاقتصادي عليها بالحصار الذي يزيد من أزماتها بتكبد خسائر يومية تصل إلى 500 مليون دولار، لعدم القدرة على تصدير الوقود، كما تسبب ذلك من جهة أخرى، بآثار فنية سلبية على آبار النفط الإيرانية؛ بسبب عدم تفريغ الإنتاج اليومي.
يقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالجامعة اللبنانية، البروفسور وليد صافي، إنه قبل أن تتعقد المفاوضات وتصل إلى هذه المرحلة من الجمود، لم يكن متوقعًا أبدًا حل الأزمة الأمريكية الإيرانية من خلال اتفاق فعّال حقيقي بين الجانبين.
وأشار لـ"إرم نيوز" إلى أن كل التوقعات كانت تشير إلى أن الحل سيكون جزئيًا، بمعنى عدم إنهاء الصراع بالمنطقة والانتقال إلى إدارة المواجهة بقواعد اشتباك جديدة.
واعتبر صافي أن الحصار الذي فرضه ترامب مؤخرا على إيران، نقل ورقة اللعب بالضغط عبر الكلفة الاقتصادية من يد الإيرانيين إلى الأمريكيين، بعد أن كانت تستغل طهران هذه الورقة في الأسابيع الماضية، ليس فقط على الولايات المتحدة ولكن مع المجتمع الدولي.
وأصبحت الكلفة الاقتصادية على إيران مرتفعة، على حد قول صافي، من خلال حصار عالٍ محكم بحيث تتكبد خسائر تصل إلى 500 مليون دولار يوميًا في ظل هذا الإجراء الأمريكي، لا سيما أن توقف تصدير النفط تنتج عنه مشاكل تقنية كبيرة للأبار، مع وصولها إلى أعلى قدرات تخزينية لعدم التفريغ.
ونوه صافي إلى أن هذا الحصار دفع إيران إلى نقل مركز التفاوض من الملف النووي إلى الطاقة والملاحة، في وقت طرحت طهران فكرة الأمن الإقليمي بمعزل عن الأمريكيين من جهة أخرى، مع دول في المنطقة.
ورجح أن يكون عمل طهران على نقل مركز التفاوض من الملف النووي إلى الطاقة والملاحة، عبارة عن تكتيك إيراني يرجّح مسألتين: الأولى عدم وجود توافق داخل النظام على الشروط الأمريكية لا سيما ما يخص البرنامج النووي، أما الثانية، فهي محاولة لكسب الوقت، لعقد مباحثات مع واشنطن، لرفع الضغط الأمريكي تدريجيًا عنها، خاصة فيما يتمثل في الحصار.
وخلص صافي إلى أن ما طرحه الإيرانيون من فكرة الأمن الإقليمي بعيدًا عن حضور الولايات المتحدة، لن يجد أي نوع من القبول من جانب دول المنطقة، في ظل غياب الثقة في طهران حول ذلك، لا سيما بعد ما جرى في الحرب الأخيرة.
بدوره، يقول الخبير في الشأن الإيراني، الدكتور أحمد الياسري، إن هذا النوع من تحويل مركز التفاوض من جانب طهران، يأتي ضمن ما اعتادت عليه إيران من مراوغة، إذ كلما ضغط عليها في ملف، تعمل على خلق تحدٍ في ملف آخر.
وبيّن لـ"إرم نيوز"، أن إيران وقفت وراء إشعال حرب الملاحة، من أجل إنشاء موارد جديدة، مما يعني أنه لو بدأت موجة جديدة من الحرب الفترة المقبلة، ستذهب طهران عبر أدواتها إلى غلق باب المندب وعندما تجلس للتفاوض حينئذ، ستكون المباحثات حول الأخير وليس مضيق هرمز.
ويرى الياسري أن الإيرانيين يتفاوضون بطريقة "الضواغط التصاعدية" وابتكار المبررات لجعل نقاط المباحثات تتفرع، في وقت بدأ الأمريكيون بعد التأزم الأخير التعامل بالتكتيك نفسه الذي تلعب به طهران وطرح مطالب أشبه باستسلام الأخيرة.
وذكر أن العقدة تكمن في أن إيران تواجه ذلك الطرح الأمريكي بالرغبة في التفاوض بمنطق أنها صاحبة الانتصار، مبينًا أن التجربة أثبتت في هذه الحرب أن الضواغط الجغرافية أقل كلفة وصاحبة تأثير أكثر، مما يجعل طهران تمضي في عدم التفاوض على الملف النووي والإبعاد عن هذه الدائرة، بافتعال أزمات تأتي بعقبات في ملفات أخرى.
ولفت الياسري إلى أن الملف النووي والتفاوض على أساسه سيقدم صورة هزيمة إيران، حال تقديمها تنازلات، وهذا ما يعمل النظام في طهران على الابتعاد عنه تمامًا؛ لأن ذلك يمس شرعيته لا سيما في الداخل بشكل مباشر، منوهًا إلى أن إيران تفكر بمنطق ردعي حاليًا، يقوم على أن أمنها مقابل أمن المنطقة، واستمرار نظامها مقابل إيقاف نزيف الاقتصاد العالمي.