تشهد الاحتجاجات في إيران تصاعدًا وتغيرات جذرية، في ظل فشل سياسة الترهيب التي يحاول النظام اتباعها مع المتظاهرين، بحسب خبراء.
وأكد خبراء في الشؤون الأمنية والعلاقات الدولية فشل السلطة في التعامل مع الاحتجاجات، كما كان يجري في الأحداث خلال السنوات الأخيرة، وهو ما جعل الحكومة في طهران تتعرض لصدمة وتوتر، لما وجدته من صفات مغايرة للشارع في مختلف المدن.
وأوضح الخبراء، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن أبرز ما تغير في البنية الاحتجاجية للإيرانيين هذه المرة، أن الخروج للشارع جاء بسبب الجوع في وقت لم تتعامل فيه السلطات بمنهج احتواء، بل كان الرد بالقمع والقتل.
وأشاروا إلى انطلاق التظاهرات من بازار طهران، مقر التجار الكبار الذين كانوا يرفضون في مرات سابقة خروج احتجاجات، فضلا عن مشاركة مجموعات تعتبر محسوبة على النظام نفسه.
وذكر الخبراء أن من بين أسباب التغيرات في البنية الاحتجاجية، تحول النظام القوي بأجهزته الأمنية في الداخل إلى كيان ضعيف أمام الشارع مع حرب الـ12 يوما، بعد الضربات التي أوجعته، على الرغم من توجيه الإمكانيات المالية لتقوية الترسانة العسكرية والأذرع المنتشرة في المنطقة، وذلك على حساب الاحتياجات التي ينتظرها المواطنون.
وكانت تقارير إعلامية أكدت أن إيران قد تشهد خلال الفترة المقبلة مجموعة من السيناريوهات "غير التقليدية"، في ظل تصاعد وتيرة التظاهرات، وتهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل لحماية المحتجين، لا سيما عقب سقوط ضحايا خلال الأيام الأخيرة.
وأظهرت مقاطع فيديو عشرات الجثث مكدسة خارج مشرحة جنوب طهران، حيث قالت منظمات حقوقية إنها تعود لضحايا قمع السلطات الإيرانية للاحتجاجات التي بدأت قبل أسبوعين.
ويؤكد الباحث في الشؤون السياسية والأمنية، سرمد البياتي، أن الشكل الذي باتت عليه الاحتجاجات جعل من الصعب إنهاءها كما كان في أكثر من مناسبة احتجاجية سابقة في إيران، لدرجة دفعت النظام إلى تحريك تظاهرات مضادة، في وقت تتحدث فيه السلطة عن وجود دعم خارجي قوي للغاية.
واعتبر البياتي في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن الوضع الاقتصادي غير المسبوق هذه المرة، جعل خروج المواطنين إلى الشارع مختلفا، ليشمل مختلف الطبقات والأعمار، وعلى رأسهم الشباب والطلبة الممتلئون بالحماس.
وبيّن البياتي أن المعاناة المعيشية في ظل الوضع الاقتصادي المتردي للغاية، غيرت البنية الاحتجاجية مع انهيار عملة التومان بشكل غير مسبوق، في وقت تعاملت فيه السلطات بعنف مما أدى لزيادة أعداد القتلى، الأمر الذي لم يرهب المتظاهرين بل اختاروا الاستمرار في التحدي.
واعتبر البياتي أن هناك نوعًا من الخطورة في الداخل في وقت قطعت فيه إيران الإنترنت وهو أمر لا يحدث من السلطة إلا إذا استشعرت الخطر، ومن جهة أخرى، جاء تصريح من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بمحاولة فتح النظام قنوات اتصال مع واشنطن، وهو ما يظهر إدراك طهران لخطورة الوضع.
وتابع البياتي أن القوة المفرطة المستخدمة تسببت في نوع من التخبط وجعلت الأمر يزداد حدة في المواجهة، ما يغير جانبا كبيرا من السيناريوهات في المرحلة القادمة.
بدوره، يقول الباحث في مركز ستاندرد للدراسات والأبحاث والمختص بالشأن الإيراني، الدكتور فرهاد دزه يي، إن هناك تغيرات جذرية في البنية الاحتجاجية مع فشل سياسة الترهيب من النظام ضد المتظاهرين، وهو ما جعل السلطة تتعرض لصدمة وتوتر لما وجدته من صفات مغايرة للشارع بمختلف المدن، مقارنة مع احتجاجات جرت في سنوات سابقة، تراجعت حدتها عندما ارتفعت درجة القمع من جانب الأجهزة مع المواطنين.
وأضاف دزه يي، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن ما تغير في البنية الاحتجاجية هذه المرة، أن الخروج للشارع جاء بسبب الجوع في وقت لم تتعامل فيه السلطات بمنهج احتواء، بل كان الرد بالقمع والقتل، وسط مشاركة كافة فئات الشعب من أغنياء وفقراء وساسة وعسكريين، لأنهم لم يجدوا جميعا الاحتياجات الأساسية.
وأفاد دزه يي بأن الأحداث هذه المرة لها عدة اعتبارات، توضح تغيير البنية الاحتجاجية، منها ما يعكسه انطلاقها من بازار طهران حيث التجار الكبار الذين كانوا يرفضون في مرات سابقة خروج تظاهرات إلى الشارع، لأن ذلك يهدد أموالهم وأعمالهم كطبقة اجتماعية ميسورة.
وأكد: هذه المرة، باتت أحوال التجار مثل بقية المواطنين الذي يعانون الحاجة والضيق المعيشي بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، فضلا عما استجد على شريحة المحتجين، بخروج مجموعات تعتبر محسوبة على النظام نفسه إلى الشارع، حيث وجدت هي الأخرى المعاناة حتى وصل الأمر إلى أن ضباط أحد الفروع الرئيسة بالجيش الإيراني لم يحصلوا على رواتبهم منذ 3 أشهر.

وأردف دزه يي أن المواطن بات أمامه صورة النظام الضعيف بعد حرب الـ12 يوما، وأن السلطة لا تستطيع استخدام السلاح إلا في القمع الداخلي، أما في الدفاع عن حدودها ضد أي اعتداء، فلم يكن حاضرا عندما سقطت المنظومات الصاروخية على عكس المتوقع وفق الصورة الذهنية المرسومة للسلطة في أعين المواطنين.
وبحسب دزه يي، فإن الغضب يتجاوز أي سبل للسيطرة عليه، بعد أن ذهبت كافة المشاريع التي كان يعد النظام بها، وفي صدارتها إحكام قبضته على المنطقة عبر الأذرع التي أنفق عليها عشرات المليارات من الدولارات، لتسقط تلك الميليشيات، في حين وجد المواطن أن هذه الفرق هي السبب في الفقر الذي يعاني منه.
وأضاف: وصل الأمر بالكثير من المحتجين إلى التنديد خلال التظاهرات الحالية، بالتدخل في شؤون دول بالشرق الأوسط، لأن لذلك كلفة وأبعادا اقتصادية سلبية عليهم، وهم يرون أن هذه الأموال كان الداخل أولى بها، بدلا من ذهابها للخارج دون تحقيق أي هدف سوى تكوين حالات عداء مع الجوار.