مسؤولون إسرائيليون: من المستبعد أن توافق إيران على المطالب الأمريكية
تتجه موسكو إلى تكريس حضور طويل الأمد في الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها عبر خطة تستهدف توطين نحو 114 ألف روسي حتى عام 2045، في خطوة تتجاوز الإطار العسكري نحو إعادة تشكيل الواقع السكاني على الأرض.
ووفق المعطيات المتداولة في المواقع الأوكرانية، تشمل الخطة إنشاء أكثر من 13 مليون متر مربع من المساكن، وبناء عشرات المدارس والمنشآت الطبية، إلى جانب إعادة تأهيل شبكات الطرق والسكك الحديدية والموانئ، بما يعيد ربط هذه المناطق بالاقتصاد الروسي.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة لا تنفصل عن سياق أوسع من السياسات التي تستهدف إعادة هندسة التركيبة السكانية، عبر الجمع بين إعادة الإعمار الانتقائي، ومنح الجنسية، وفرض منظومة قانونية جديدة تتيح السيطرة على الممتلكات وإعادة توزيع السكان.
وبين مشروع إعادة الإعمار ومحاولات إعادة التشكيل السكاني، تبرز خطة التوطين كأداة سياسية بقدر ما هي ديموغرافية، وتطرح تساؤلا حول ما إذا كانت موسكو تنجح في تحويل الأراضي الأوكرانية الخاضعة لسيطرتها إلى "حقيقة ديموغرافية" راسخة.
مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية في أوكرانيا، سعيد سلام، أكد أن ما يجري في الأراضي الأوكرانية الخاضعة لسيطرة روسيا لا يمكن قراءته باعتباره "احتلالًا عسكريًا مؤقتًا" فحسب، وأنه "مشروع استعماري" متكامل يعيد تشكيل الجغرافيا والهوية معًا، ضمن رؤية ممتدة تسعى موسكو من خلالها إلى تحويل السيطرة العسكرية إلى واقع ديموغرافي دائم.
وفي تصريح لـ"إرم نيوز"، قال سلام إن هذه الاستراتيجية تقوم على مسارات متوازية، تبدأ بتفكيك البنية الثقافية للسكان الأصليين، ثم إعادة تركيبها وفق سردية روسية، قبل الانتقال إلى مرحلة الإحلال السكاني.
وأشار إلى أن التجربة في شبه جزيرة القرم قدمت نموذجا واضحا لهذا النهج، حيث تغيرت التركيبة السكانية بصورة حادة بعد تدفق مئات الآلاف من الروس مقابل نزوح السكان الأصليين، وهو ما يتكرر اليوم في الأقاليم الأوكرانية الخاضعة لسيطرة روسيا بوتيرة متسارعة.
وأضاف مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية في أوكرانيا، أن مصادرة الممتلكات وفرض القوانين الجديدة ليست إجراءات عشوائية، بل أدوات ممنهجة لإعادة توزيع السكان وتهيئة الأرض لعمليات التوطين.
وأكد أن الأبعاد الاقتصادية والثقافية والتشريعية تتكامل داخل هذا المشروع، إذ يترافق استغلال الموارد مع محو الهوية الثقافية، من خلال حظر اللغة الأوكرانية وتغيير المناهج وإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وصولًا إلى نقل الأطفال وإعادة تأهيلهم داخل المنظومة الروسية.
وأشار إلى أن خطورة هذه السياسات لا تكمن فقط في نتائجها الحالية، بل في كونها تُبنى وتُوثق في الزمن الحقيقي، وهو ما يجعلها محاولة مكتملة الأركان لفرض واقع ديموغرافي جديد.
من جانبه، أكد رامي القليوبي، الأستاذ في كلية الاستشراق بالمدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، أن خطة توطين 114 ألف مواطن في الأراضي الخاضعة للسيطرة الروسية شرق أوكرانيا تحمل أبعادا سياسية أكثر منها ديموغرافية، معتبرًا أنها امتداد طبيعي لسياسات بدأت منذ عام 2022 مع منح الجنسية الروسية لسكان تلك المناطق.
وأشار في تصريحات لـ"إرم نيوز" إلى أن الحديث عن معالجة أزمة ديموغرافية عبر هذه الخطة يفتقر إلى الواقعية، في ظل الاتجاه العام داخل روسيا وأوروبا نحو انخفاض معدلات الإنجاب.
وأضاف أن أنماط تكوين الأسر لم تعد تسمح بزيادة سكانية كبيرة، إذ تهيمن الأسر الصغيرة، ما يعني أن أي عمليات توطين لن تُحدث تأثيرا ملموسا على المدى المتوسط أو الطويل.
وأوضح القليوبي أن الرهان على تغيير ديموغرافي واسع النطاق من خلال نقل سكان جدد يبدو محدود الجدوى، خاصة أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على معدلات النمو السكاني ستظل قائمة في هذه المناطق أيضًا.
ولفت إلى أن الزيادات الملحوظة في عدد السكان داخل روسيا ترتبط بحالات محددة، ولا يمكن تعميمها على مجمل المجتمع.
وأكد أن الخطة، في جوهرها، تعكس سعيا لإضفاء طابع سكاني روسي على هذه المناطق، بما يعزز السيطرة السياسية ويمنحها مظهر الاستقرار، دون أن يعني ذلك تحقيق تحول ديموغرافي حقيقي.