يبدو أن الحشد العسكري الذي طلبه الرئيس الأمريكي بالقرب من إيران، استعداداً لحرب ضد طهران، يثير مخاوف إسرائيل الاقتصادية أكثر من التبعات العسكرية للضربة المحتملة، وفق ما كشفه تقرير لموقع "كالكاليست" العبري.
وقال الموقع إن التحرك المفاجئ للسفن الحربية الأمريكية بالقرب من إيران فتح باب التساؤلات حول تكلفة جولة ثانية من الحرب ضد النظام الإيراني على الاقتصاد الإسرائيلي، مضيفاً "رغم أنها مسألة تتعلق بالميزانية فقط، إلا أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسيناريوهات المختلفة التي قد تندلع في ظلها هذه الجولة من الحرب".
ويضيف التقرير أن ما يثير مخاوف الإسرائيليين "ليس صعوبة حساب التكاليف العسكرية، بل لصعوبة التنبؤ بطبيعة الحرب نفسها: من سيبدأها، ومن سينضم إليها، وكم ستستمر، وهل ستكون إسرائيل طرفاً مهاجماً أم هدفاً دفاعياً في المقام الأول؟".
وبحسب "كالكاليست"، فإنه لا ينبغي إغفال أن الجولة الأولى من الحرب قد حُددت تكلفتها مسبقًا بحوالي 20 مليار شيكل كتكاليف عسكرية مباشرة على مدى 12 يومًا من الحرب، مع تخصيص نصف هذا المبلغ تقريبًا للأسلحة الدفاعية والهجومية، مؤكداً أن هذا الرقم بالغ الأهمية، إذ يُشكّل مرجعًا للجولة الثانية.
ولحساب تقدير أولي للجولة الثانية، في حال وقوعها، نقل عن أمينوش، المحاسب العام السابق في وزارة الدفاع، قوله "حساب التكاليف أمر سهل. المشكلة الحقيقية ليست في التكلفة، بل في محاولة التنبؤ بشكل الحرب"، مضيفاً "لا توجد تكلفة محددة للحرب مع إيران، بل مجموعة واسعة جدًا من السيناريوهات ذات تباين كبير، تتراوح بين بضعة مليارات وعشرات المليارات".
ويؤكد أمينوش، الذي تمكن خلال الجولة الأول من الحرب من تقدير تكاليف الحرب بدقة نسبية "التباين هنا هائل. يتراوح الأمر بين حالة لا تشن فيها أي هجوم على الإطلاق، وربما لا تندمج حتى، إلى حالة تخوض فيها حربًا قد تستمر لأشهر". بل إنه يطرح سيناريو تطلب فيه الولايات المتحدة من إسرائيل عدم الهجوم حتى لو تعرضت للهجوم، على غرار ما حدث في حرب الخليج الأولى.
وقال مصدر أمني ثالث، تحدث للموقع، إنه يكاد يكون من المستحيل أن تكون الجولة الثانية "أرخص" من السابقة، إلا إذا كانت أقصر بكثير من الجولة الأولى، مشيراً إلى أنه في حال شنت الولايات المتحدة هجومًا على إيران، فستشارك إسرائيل فيه، وإذا هاجمت إيران، فلن تقف إسرائيل مكتوفة الأيدي، بل ستغتنم الفرصة وتشن هجومًا مضادًا.
السيناريو الأقل تكلفة، نسبياً، هو عدم شنّ إسرائيل أي هجوم على الإطلاق. لكن حتى في هذه الحالة، يؤكد أمينوخ أن التكاليف ليست معدومة. يقول: "حتى لو لم تشن إسرائيل هجوماً، فهذا لا يعني انعدام التكاليف. فالدفاع الجوي يكلف مليارات الدولارات - سهم، عصا سحرية، جاهزية، طلعات دفاعية". ووفقاً لتقديراته، في مثل هذا السيناريو، قد تصل التكلفة العسكرية وحدها إلى ما بين 7 و10 مليارات شيكل.
لكن التقرير، شدد على أن السيناريو الأرجح، بحسب جميع الخبراء، هو جولة قتال قصيرة نسبياً - شبيهة بالحملة التي استمرت 12 يوماً في الجولة السابقة - تشن فيها إسرائيل هجوماً أيضاً. قُدّرت التكلفة الرسمية آنذاك بما بين 20 و22 مليار شيكل.
ويقول الدكتور ساسون حداد المستشار الاقتصادي لرئيس الأركان الإسرائيلي (2014-2017)، إن المبلغ النهائي سيكون أقل بقليل من 20 مليار شيكل. ويضيف "ربما انخفضت التقديرات قليلاً، لكن حجمها التقريبي لا يزال كما هو". بينما يعتقد أمينوخ أن التكلفة الحقيقية كانت أعلى. قائلاً "لم يشمل مبلغ الـ20 مليار الذي تم الحديث عنه الكثير من الأمور"، مشيراً إلى أنه "في مثل هذا السيناريو، تتراوح التقديرات بين 15 و25 مليار شيكل، اعتماداً على مدة القتال، وكثافة النيران على المؤخرة، وسرعة تحقيق السيطرة الجوية. ويوضح قائلاً: "بدون ذلك، لا يمكنك العمل بحرية"، ملمحاً إلى أنه بدون هذه الحرية، قد تكون التكلفة أعلى.
ويتوقف التقرير، عندما يسميه "السيناريو الأكثر إثارة للقلق"، وهو عدم انتهاء الحملة سريعًا. فإذا واجهت الولايات المتحدة صعوبة في اتخاذ قرار، أو إذا اختارت إيران المماطلة، أو إذا طُلب من إسرائيل الانضمام إلى عملية مطولة، فإن التكاليف سترتفع بشكل كبير.
وفي هذا السياق يقول أمينوخ: "قد تستمر الحرب لفترة أطول بكثير مما نتصور"، مشيرًا إلى أن "كل شيء وارد في الشرق الأوسط"، ويسخر من مثال الحرب الإيرانية العراقية: "شنوا هجومًا استمر ثماني سنوات في النهاية".
كما أشار مسؤول رفيع ثالث تحدث لـ"كالكاليست" إلى أن التكاليف تعتمد على ثلاثة عوامل: الوقت، والتسليح، والاحتياطيات. ومن غير المتوقع أن يكون للعامل الأخير تأثير كبير. "طالما أننا لا نتجاوز 40 ألف جندي احتياطي يوميًا، فلا مشكلة. هذا هو المبلغ الذي تم رصده في ميزانية عام 2026".
وفيما يتعلق بالتسليح، يعتقد أن "الوضع الراهن سيبقى كما هو"، لكن يبقى طول الحملة هو المجهول الأكبر. وتؤكد كلمات حداد موقف أمينوش: إيران لا تعاني من نقص في الصواريخ أو القوى البشرية. "إنهم لا يعانون من نقص في الصواريخ. المسألة تكمن في الوقت، وخطوط الإنتاج، والوقود. القوى البشرية ليست مشكلتهم." ووفقًا له، سيكون الهجوم مُستهدفًا: "من الواضح أنهم سيستهدفون النقاط الأكثر حساسية. هذا ما رأيناه في الجولة السابقة، وهذا ما سنراه مجددًا".
إلى جانب تكاليف الأمن، يوجد في كل سيناريو تقريبًا عنصرٌ مهم يصعب تقديره يتعلق بالأضرار التي تلحق بالمدنيين. فالإصابات الشخصية، والإصابات الجسدية، والإسكان، والبنية التحتية، وحتى إجلاء السكان (استئجار مساكن بديلة)، وترميم المباني، والأضرار التي تلحق بالمؤسسات البحثية - كل هذه الأمور غير مشمولة في التقديرات العسكرية.
ويتمحور السؤال الرئيسي في هذا السياق حول قدرة الدولة على تمويل الأضرار التي لحقت بالمدنيين، وهنا يبرز دور صندوق التعويضات الخاص بالجبهة الداخلية، الذي يتوفر نظرياً على رصيد مع بداية عام 2026 يصل إلى حوالي 10.6 مليار شيكل.
وبحسب تقدير مصدر اقتصادي مطلع على تفاصيل الصندوق، يُرجّح أن تبلغ نفقات العملية المقبلة حوالي 4 مليارات شيكل، مع هامش خطأ يبلغ مليار شيكل تقريبًا في كلا الاتجاهين.
ويقول الموقع إنه إذا صحّ هذا التقدير، وبافتراض أن رصيد الصندوق الحالي يبلغ حوالي 11 مليار شيكل، فإن الوضع يبدو معقولًا. إذ يوفر هذا المبلغ هامش أمان مناسبًا لجولة قتال أخرى، ولكنه ليس بلا حدود. ففي حال وقوع هجوم واسع النطاق ومستمر على الجبهة الداخلية، لا سيما في سيناريو حملة طويلة أو قصف مكثف للمراكز السكانية، قد يتآكل رصيد الصندوق.
ويكشف التقرير أن تجارب الجولات السابقة من الحرب، تظهر أن الضرر لا يقتصر على ميزانية الدفاع. فحتى حملة قصيرة تُؤخر الاقتصاد الإسرائيلي لأشهر، مُلحقةً الضرر بالناتج المحلي الإجمالي، والاستهلاك الخاص، والاستثمارات، والثقة. ومن المؤكد أن جولة أخرى، إن كانت أكثر تعقيدًا أو أطول، قد تُعمّق تآكل النمو وتُوقف التعافي الذي بدأ بالفعل.