منذ بداية العام الحالي، تحولت الضمانات الأمنية الأمريكية إلى محور أساسي في أي حديث عن تسوية محتملة للحرب الروسية الأوكرانية، وسط نقاشات متصاعدة حول إمكانية تثبيت خطوط السيطرة الحالية في شرق أوكرانيا مقابل التزامات أمنية غربية تمنع تكرار الهجوم الروسي مستقبلاً.
وبعد عام على تولي الرئيس دونالد ترامب السلطة، تجد واشنطن نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، وهي إنهاء الحرب دون الظهور بمظهر من يكافئ موسكو على تغيير الحدود بالقوة، خاصة وأن التحركات الدبلوماسية الأخيرة تعكس رغبة أمريكية في تسويق الضمانات كبديل عملي عن عضوية الناتو.
ووفقاً للمراقبين، يتمثل الهدف الأساسي للطرح الأمريكي غير المعلن في القبول بواقع السيطرة الروسية على أجزاء من دونيتسك ولوهانسك ومناطق أخرى، دون اعتراف قانوني صريح، مقابل ترتيبات أمنية طويلة الأمد تشمل دعماً عسكرياً أمريكياً وتعاوناً استخباراتياً.
وفي السياق، تواجه كييف مأزقاً داخلياً بالغ الحساسية، خاصة وأن التنازل الرسمي عن الأراضي يبقى مرفوضاً دستورياً وشعبياً، لكن المؤشرات الصادرة في يناير 2026 توحي بانفتاح حذر على خيار «تجميد الصراع» عند خطوط التماس، كحل مؤقت يوقف النزيف العسكري دون حسم نهائي لمسألة السيادة.
من جهتها تراقب روسيا هذا المسار بثقة نسبية، مستفيدة من تراجع الزخم الغربي الداعم لأوكرانيا، ومن الانقسامات داخل المعسكر الأوروبي، ولاتزال تطالب بضمانات واضحة بعدم انضمام كييف للناتو، وبالتعامل مع السيطرة الحالية كأمر واقع، مع استعداد محدود للتفاوض تحت ضغط العقوبات المستمرة.
وعلى الجانب الآخر، يتصاعد القلق الأوروبي من احتمالية عقد صفقة أمريكية روسية تتجاوز مخاوف القارة الأمنية، خاصة لدى دول الشرق الأوروبي التي ترى في أي تنازل إقليمي سابقة تهدد النظام الأمني الأوروبي بأكمله.
وعلى هذه الضمانات المحتملة، تبدو "لعبة الأرض مقابل الأمن" اختباراً حاسماً لمصداقية واشنطن، ولمدى قدرتها على تحقيق تسوية توقف الحرب دون إعادة رسم قواعد القوة في أوروبا بالقوة العسكرية.
ويرى الخبراء أن الولايات المتحدة باتت قريبة من استكمال وثيقة الضمانات الأمنية لأوكرانيا، بعد التوافق على معظم بنودها، مع بقاء تفاصيل التوقيع فقط، إلا أن هذه الضمانات تُستخدم كورقة ضغط سياسية في إطار مقايضة غير معلنة.
وأضاف الخبراء في تصريحات لـ«إرم نيوز» أن طرح «الأرض مقابل الأمن» يظل مرفوضاً في أوكرانيا بسبب القيود الدستورية والموقف الشعبي، في حين تحاول واشنطن توظيف ملف الضمانات لإعادة ضبط مسار الصراع بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
وقال المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية الدكتور نبيل رشوان، إن الولايات المتحدة اقتربت بدرجة كبيرة من الانتهاء من إعداد وثيقة الضمانات الأمنية لصالح أوكرانيا، موضحًا أن ما تبقّى يقتصر فقط على تحديد الزمان والمكان الخاصين بتوقيع الوثيقة، بعد التوافق على معظم بنودها الأساسية.
وفي تصريح لـ«إرم نيوز»، أشار رشوان إلى أن فكرة «الأرض مقابل الأمن» غير مطروحة من الجانب الأوكراني نهائيًا، وأن كييف ترفض هذا الطرح بشكل قاطع، لأن التنازل عن أي جزء من الأراضي يُعد مخالفة صريحة للدستور الأوكراني، وهو ما شدد عليه الرئيس الأوكراني عندما أكد أنه لا يملك صلاحية دستورية لاتخاذ مثل هذا القرار.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة قد تحاول توظيف ملف الضمانات الأمنية كأداة ضغط أو مناورة سياسية، إلا أن تأثير هذه الورقة يظل محدودًا، في ظل التعقيدات القانونية والدستورية داخل أوكرانيا، إلى جانب الموقف الشعبي الرافض لأي تنازلات إقليمية.
ويرى رشوان أن روسيا ما زالت متمسكة بموقفها، معتبرة أن ما قامت به في بعض المناطق، بما في ذلك الاستفتاءات، يمنحها شرعية سياسية، رغم الجدل الدولي الواسع والتشكيك المستمر حول هذه الإجراءات.
وأكد، أن هناك تفاصيل كثيرة تبدو صغيرة لكنها شديدة التعقيد، وتُسهم في تعطيل أي تقدم حقيقي في مسار الحل، مشيرًا إلى أن العقوبات المفروضة على موسكو تظل عنصرًا بالغ الأهمية في المشهد، رغم محاولات الولايات المتحدة إغراء الطرفين بمشروعات مشتركة، سواء في إعادة الإعمار أو الاستثمارات الاقتصادية المستقبلية.
وأضاف رشوان، أن غياب الاستجابة الواضحة من موسكو وكييف لهذه العروض يعكس أن قضية الأرض لا تزال حجر العثرة الأكبر، ولا تزال تعرقل التوصل إلى تسوية سياسية شاملة للأزمة.
من جانبه، قال المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية كارزان حميد، إنه رغم النقاشات المستمرة بين الجانبين الأوكراني والأمريكي بشأن وقف الحرب الروسية ـ الأوكرانية، ورغم التصريحات الإيجابية الصادرة عن الطرفين، فإن الواقع الميداني يعكس صورة مغايرة لما تعلنه القيادات الأوكرانية، وعلى رأسها الرئيس فولوديمير زيلينسكي.
وأكد حميد في تصريحات لـ«إرم نيوز»، أن الجانب الأمريكي، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، يحاول في المرحلة الراهنة الانقضاض على ما تبقى من أوراق القوة الأوكرانية ودفع كييف إلى زاوية ضيقة لا تتيح لها أي هامش للمناورة، بهدف فرض شروط سياسية واقتصادية تخدم المصالح الأمريكية.
وأضاف، أن هذه الخطوات تتناقض بشكل واضح مع تصريحات زيلينسكي، لا سيما إعلانه أن الوثيقة الأمريكية الخاصة بالضمانات الأمنية جاهزة بالكامل، معتبرًا أن هذا التناقض يعكس فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي والواقع الفعلي على الأرض.
ولفت حميد إلى أن الحلفاء الأوروبيين بدأوا انسحابًا تدريجيًا من جبهة الدعم المباشر لأوكرانيا، لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى تغيّر في المواقف السياسية، والبحث عن بدائل بعيدًا عن الحليف الأمريكي التقليدي.
كما أكد، أن الشروط المطروحة من البيت الأبيض تتضمن تنازلات قاسية بالنسبة لأوكرانيا، في حين تبدو مقبولة إلى حد كبير لدى الكرملين، وهو ما وضع الرئيس الأوكراني في موقف بالغ الصعوبة، بين القبول بهذه المقترحات وما تحمله من خسائر استراتيجية، أو الاستمرار في المواجهة دون غطاء أمريكي.
وتابع: «جوهر الأزمة يكمن في غياب وضوح الرؤية لدى الجانب الأوكراني، وتشتت القرار بين تيار يدفع نحو استمرار الحرب على أمل تحقيق اختراقات ميدانية، ومحاولة إقناع البيت الأبيض بمواصلة التمويل، وبين خيار آخر يتمثل في التوجه مباشرة إلى موسكو لحسم الملف دون وساطات أمريكية أو أوروبية».
واعتبر أن الخيار الثاني أكثر واقعية وعقلانية، مشيرًا إلى أن ملامحه بدأت تظهر عبر محاولات جسّ نبض الحلفاء والرأي العام الأوكراني.