دخل ملف إقليمي دونيتسك ولوغانسك مرحلة شديدة الحساسية مع مطلع عام 2026، مع طرح تنازل أوكرانيا عن الإقليمين كشرط لإنهاء الحرب مع روسيا.
وتسيطر القوات الأوكرانية على نحو 11% من إقليم دونباس، بما يعادل 22% من مقاطعة دونيتسك الإدارية، أي نحو 2,250 ميلًا مربعًا، فيما تخضع لوغانسك لسيطرة روسية كاملة، وتسعى موسكو لضم ما تبقى من دونيتسك.
وطالبت روسيا بانسحاب القوات الأوكرانية من دونباس، وهو ما لم تقبله كييف، رافضة أي تنازل إقليمي، ومشددة على أن القضية الحدودية تمثل جوهر النزاع.
وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الضمانات الأمنية الأمريكية جاهزة للتوقيع بنسبة 100%، مشيرًا إلى ضرورة إيجاد أرضية مشتركة رغم الخلافات الجوهرية.
ووضعت واشنطن شرطًا واضحًا يتمثل في التنازل عن دونباس مقابل ضمانات أمنية تشمل دعمًا من حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى إمكانية إنشاء "منطقة اقتصادية حرة" بعمق يتراوح بين 5 و40 كيلومترًا.
وشهدت العاصمة الإماراتية أبو ظبي أول محادثات ثلاثية مباشرة بين مسؤولين من أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة، خُصصت لمناقشة "المعايير المحتملة لإنهاء الحرب".
وأكد المراقبون أن هناك 4 سيناريوهات مطروحة تشمل التنازل الكامل مقابل ضمانات أمنية، أو التنازل مقابل عضوية الاتحاد الأوروبي، أو إجراء استفتاء شعبي لتغيير الحدود الوطنية، وأخيرًا رفض التنازل حتى استنزاف الجبهة.
وأظهرت استطلاعات الرأي، التي أجرتها مؤسسة "Info Sapiens" في ديسمبر/كانون الأول 2025، أن 77% من الأوكرانيين يؤيدون تقديم تنازلات ما لتحقيق السلام، دون تحديد طبيعتها، في حين قال 30% إنهم يرفضون أي تنازل من حيث المبدأ.
وعلى وقع هذه التحولات، يبقى ملف دونيتسك ولوغانسك أحد أكثر الملفات حساسية في مستقبل أوكرانيا، باعتباره اختبارًا حاسمًا لقدرة الدولة على التوازن بين إنهاء الحرب والحفاظ على تماسكها الداخلي.
يرى الدبلوماسي الأوكراني السابق فولوديمير شوماكوف أن الضغوط الأمريكية المتصاعدة على كييف، في ظل الإدارة الحالية برئاسة دونالد ترامب، تتجه نحو فرض مسار سياسي بالغ الحساسية، يقوم على دفع أوكرانيا لتقديم تنازلات إقليمية تمس جوهر الدستور ووحدة الأراضي.
واعتبر في تصريح لـ"إرم نيوز" أن هذا المسار يُقدَّم تحت عنوان "تسوية سياسية"، ويحمل في جوهره ملامح ما وصفه بـ"الاستسلام السياسي".
وأشار شوماكوف إلى أن الطرح الأمريكي يقوم على معادلة تبادلية مفادها تقديم ما يُسمى "ضمانات أمنية" مقابل انسحاب أوكراني من مناطق الاشتباك في إقليم دونباس، إلا أن هذا الطرح يواجه رفضًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والشعبية الأوكرانية.
واستحضر شوماكوف تجربة أوكرانيا في تسعينيات القرن الماضي، حين تخلت عن ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم مقابل تعهدات دولية باحترام سيادتها ووحدة أراضيها، مؤكدًا أن تلك التعهدات لم تمنع اندلاع الحرب الحالية.
وحذر الدبلوماسي الأوكراني السابق من أن أي انسحاب من المناطق الشرقية لا يعني بالضرورة إنهاء الحرب أو تحقيق السلام، بل قد يُفضي إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الداخلي.
وأكد أن المجتمع الأوكراني غير مهيأ نفسيًا أو سياسيًا لقبول التنازل عن أراضٍ يعتبرها جزءًا لا يتجزأ من الدولة، مشددًا على أن أي خطوة من هذا النوع ستُواجه برفض شعبي واسع، وقد تتحول إلى أزمة داخلية تهدد شرعية السلطة القائمة.
ولفت شوماكوف إلى أن المناطق التي لا تزال القوات الأوكرانية تسيطر عليها في دونباس تُعد من أكثر المناطق تحصينًا عسكريًا، وأن التخلي عنها بعد سنوات من بناء الدفاعات سيجعل استعادتها لاحقًا شبه مستحيلة، إلا بتكلفة بشرية وسياسية باهظة.
ويرى أن هذا السيناريو من شأنه أن يعمّق الانقسامات الداخلية ويزيد من فقدان الثقة بين المجتمع والقيادة السياسية.
من جانبه، رأى مدير مركز GISM للأبحاث والدراسات د. آصف ملحم أن أي تخلٍ أوكراني عما تبقى من إقليمي دونيتسك ولوغانسك سيُشكّل "ضربة سياسية" قاصمة للرئيس فولوديمير زيلينسكي والفريق الحاكم.
وأضاف في تصريح لـ"إرم نيوز" أن محاولات تسويق فكرة وقف القتال عند خطوط الجبهة، باعتبارها إجراءً تكتيكيًا لا ينطوي على تنازل إقليمي، لن تُقنع الشارع الأوكراني الذي سيرى فيها اعترافًا ضمنيًا بالخسارة.
وأوضح ملحم أن قبول هذا السيناريو سيطرح تساؤلات داخلية حادة حول جدوى الحرب وتكلفتها البشرية والاقتصادية، خاصة في ظل الدمار الواسع الذي خلّفته المعارك.
ورجح أن تواجه القيادة الحالية موجة مساءلة سياسية وشعبية قد تفضي إلى سقوطها، أو على الأقل إلى تآكل شديد في شرعيتها.
وأشار ملحم إلى أن أي حكومة أوكرانية مقبلة، في حال ترسخ واقع التنازل، ستكون مضطرة إلى تبني نهج سياسي أكثر حذرًا تجاه موسكو، مع تجنب اتخاذ قرارات استراتيجية قد تُفسر على أنها تحدٍّ مباشر لروسيا، في ظل قناعة داخلية بأن موسكو مستعدة لاستخدام القوة العسكرية لإعادة فرض نفوذها السياسي.
وقال إن التنازل الإقليمي، حال حدوثه، سيكون تحولًا استراتيجيًا في بنية السياسة الداخلية الأوكرانية، وقد يرسم مستقبلًا أكثر هشاشة للدولة سياسيًا ومجتمعيًا في مرحلة ما بعد الحرب.