كشفت تقييمات الأحزاب السياسية الرئيسية في تركيا، لعملية السلام الجارية بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، أن الصراع السياسي الحاد، بين الحكومة والمعارضة، يعيق الوصول لنهاية تلبي تطلعات أكراد البلاد.
وأبدت أحزاب التحالف الحاكم، "العدالة والتنمية" و"الحركة القومية" تفاؤلاً في نجاح عملية السلام مقابل دعم أقل من حزب المعارضة الرئيسي "الشعب الجمهوري"، ومخاوف من الانهيار على المدى البعيد، لدى حزب "الديمقراطية والمساواة للشعوب" الممثل للأكراد.
وجاءت تلك التقييمات في ختام العام 2025 الذي مثل الانطلاقة الفعلية لعملية السلام، وقد وصلت الآن إلى مرحلة إعداد البرلمان، تشريعات يطالب بها الأكراد، وتتعلق بالاعتراف الدستوري بهويتهم القومية وإدخال لغتهم للتعليم والفضاء العام.
لكن مخاوف واسعة تثار بشأن تلك التشريعات في الوسط الكردي، خشية أن تكون دون التوقعات، ولا ترسي السلام المنشود بعد نحو نصف قرن من الصراع وعشرات آلاف الضحايا من المدنيين والعسكريين من الطرفين.
وطوال مسار عملية السلام، أبدى حزب الشعب الجمهوري، صاحب ثاني أكبر كتلة برلمانية، ترددًا واضحًا في الانخراط فيها، وهو ما تجلّى في امتناعه عن إيفاد ممثل عنه ضمن الوفد البرلماني الذي التقى زعيم حزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان، في سجنه الذي يقبع فيه منذ 26 عامًا.
وأثارت تلك الخطوة اعتراض حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الذي يحتل ثالث ترتيب في البرلمان من حيث عدد النواب، والذي يتطلع لدعم حزب الشعب الجمهوري للعملية بوصف الحزبين في صف المعارضة.
وكشف الرئيس المشترك، لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، تونجر باكيرهان، في تقييمه لعملية السلام مع نهاية العام 2025، أن تقييمه لموقف حزب الشعب الجمهوري المتردد، يستند للصراع السياسي الحاد مع الحزب الحاكم.
وأوضح باكيرهان في حديث صحفي، أن الضغوط التي تعرض لها حزب المعارضة الرئيسي منذ مارس/ آذار الماضي عندما بدأ اعتقال رؤساء بلديات رئيسية وفرعية تابعة له بتهم فساد متشعبة، دفعته للنأي بنفسه عن أي موقف يضعه في صف الحزب الحاكم.
وحث باكيرهان حزب الشعب الجمهوري على الفصل بين صراعه السياسي مع الحزب الحاكم، ودعم عملية السلام الجارية، معتبراً أن محاولة إقصاء الحزب عن عملية السلام تعني أن هناك لعبة تدار ويتوجب على الحزب إحباطها عبر مزيد من المبادرات والمشاركة.
كما دعا باكيرهان، حزب الشعب الجمهوري لأن يحرص على ألا تتحول معارضته للحكومة إلى معارضة للعملية السياسية برمتها، وأن يسهم في إنجاح عملية السلام وحل مشكلة عمرها قرن من الزمان في البلاد على حد قوله.
يتهم حزب الشعب الجمهوري، الحزب الحاكم بتسيس القضاء، والضغط عليه عبر اعتقال رؤساء بلدياته بتهم فساد، وبينهم رئيس بلدية إسطنبول ومرشحه للرئاسة، أكرم إمام أوغلو بعد الشعبية التي حققها بفوزه برئاسة بلدية كبرى المدن التركية في دورتين متتاليتين، وهي البلدية ذاتها التي جاء من رئيسها رجب طيب أردوغان لرئاسة تركيا.
وينفي حزب العدالة والتنمية الحاكم، تلك الاتهامات، ويقول إن القضاء مستقل، ولا يمكن للحكومة التدخل في عمل المحاكم وإطلاق سراح إمام أوغلو ليحاكم طليقاً كما يطالب هو وحزبه.
وتسببت قضية البلديات في احتجاجات وتجمعات ميدانية مناهضة للحكومة، ولا تزال مستمرة في البلاد، وقطيعة سياسية بين الحزبين، الحاكم والمعارض، واتهامات متبادلة بالاستعانة في الخارج والانقلاب على الديمقراطية، وصل بعضها للمحاكم بتهمة الإهانة.
ويخشى أكراد تركيا أن يؤثر غياب حزب المعارضة الرئيسي عن المشاركة الفاعلة في صياغة ومن ثم إقرار تشريعات تتعلق بأكراد تركيا، بالوصول لإطار قانوني يعتمد على منظور حزبي التحالف الحاكم فقط.
ويدعم تلك المخاوف، موقف حزب الحركة القومية الرافض لإدخال اللغة الكردية للتعليم، بينما يدعم حزب الشعب الجمهوري تدريس اللغة الكردية، وفق تقارير الأحزاب السياسية التي قدمتها الشهر الماضي للجنة برلمانية يتوجب عليها إعداد تقرير موحد وعرضه على البرلمان.
ويقول حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، إن عدم تحقيق المساواة التي يتطلع لها الأكراد، سيعني عودة التوتر إلى المجتمع على المدى الطويل، وإن السلام لا يُمكن الحفاظ عليه إلا بموافقة المجتمع.
وعلى الجانب الآخر، دعا الرئيس أردوغان، في تقييمه لعملية السلام، اللجنة البرلمانية التي تمثل الأحزاب الرئيسية، وتعد تقريرها لعرضه على البرلمان، إلى العمل بروح التوافق، معتبراً عملية السلام قد تجاوزت عتبة مهمة.