يشهد الشارع التركي تحركات شعبية تتعلق بعملية السلام الجارية بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، يعارض أصحابها مسار السلام المستمر منذ أكثر من عام، أو يربطون استمراره بمطالب محل خلاف رئيس.
وشهدت مدينة أنقرة، مظاهرة حاشدة يوم السبت الماضي، عند قبر مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، بينما تستعد مدينة ديار بكر ذات الرمزية عند أكراد تركيا، لمظاهرة أخرى يوم الأحد القادم.
وتتزامن تلك التحركات الشعبية، مع عمل لجنة تمثل الأحزاب التركية في البرلمان، على إعداد إطار قانوني لعملية السلام وعرضه للنقاش والتصويت، والذي يمثل النتيجة النهائية لعام من المفاوضات والنقاشات والخطوات المتبادلة.
وتستهدف عملية السلام، حل حزب العمال الكردستاني وإلقاء مقاتليه للسلاح والانخراط في العمل السياسي في تركيا، مع إقرار تشريعات تلبي تطلعات أكراد تركيا في العدالة والمساواة واستخدام لغتهم الأم.
ورغم التأييد الكبير الذي تحظى به عملية السلام، بين الأوساط السياسية والشعبية، فإن بعض المحطات والشروط المتعلقة بها، تثير الجدل والخلاف، لاسيما مصير الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان، ودوره في عملية السلام.
وتركزت مطالب المتظاهرين في أنقرة، يوم السبت الماضي، في الاعتراض على منح أوجلان دوراً في عملية السلام، حيث انتقد المتظاهرون زيارة وفد برلماني تركي له في سجنه، أواخر الشهر الماضي.
وأقيمت المظاهرة في ذكرى 27 ديسمبر/كانون الأول 1919، وهو اليوم الذي وصل فيه أتاتورك لأنقرة، ضمن حرب الاستقلال التي خاضها، لكن الاعتراض على التواصل مع حزب العمال الكردستاني وزعيمه أوجلان، هو الذي برز في تلك المظاهرة.
ورغم غياب الأحزاب الكبرى عن التظاهرة، فقد حضر الآلاف من ممثلي الأحزاب الأخرى، ومن أكاديميين وصحافيين ومنظمات عمالية، ورددوا هتافات مناهضة للحزب الذي تصنفه أنقرة منظمة "إرهابية"، وتصنف أوجلان أيضاً "إرهابياً" رغم المفاوضات الجارية معه.
على الجانب الآخر، تستعد أحزاب ومنظمات ونشطاء سياسيون أكراد في تركيا، لمظاهرة يوم الأحد القادم، للمطالبة بالإفراج عن أوجلان عبر منحه "الحق في الأمل"، وهو مبدأ قضائي أوروبي وقّعت عليه تركيا، ويتيح الإفراج عن السجناء بعد قضاء 25 عاماً في السجن.
وتستهدف المظاهرة التي ستقام في مدينة ديار بكر، جنوب شرقي تركيا الذي يقيم فيه العدد الأكبر من أكراد تركيا، إطلاق سراح أوجلان في هذه المرحلة من العملية ومنحه دوراً رئيساً في السلام بعد أن دعا حزبه لإلقاء السلاح والانخراط في عملية السلام.
ولم يطلب أوجلان في ندائه الشهير لحزبه، في فبراير/ شباط الماضي، إطلاق سراحه، لكن حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الممثل للأكراد، الذي نقل دعوته تلك في بيان، بجانب قادة بارزين في حزب العمال الكردستاني، يتمسكون بطلب الإفراج عنه.
ويقول منظمو مظاهرة ديار بكر، إن إطلاق سراح أوجلان عبر منحه "الحق في الأمل" يشكل مفتاحاً "للعدالة والأخوة التاريخية بين الأكراد والأتراك".
وترى أنقرة في المقابل، أن المطالبة بإطلاق سراح أوجلان حالياً يعرقل أو يبطئ عملية السلام على حد قول دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية الحليف لحزب العدالة والتنمية الحاكم.
وقال بهتشلي، عقب الإعلان عن هدف وتاريخ ومكان المظاهرة المرتقبة التي تحمل اسم "الحرية والأمل"، إن الدعوة للإفراج عن أوجلان في تلك المظاهرة، ستبطئ وربما تعرقل مسار السلام الجاري بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، كون نداء أوجلان لم يتضمن طلب الإفراج عنه.
وأضاف بهتشلي في بيان، "ليجتمعوا في 4 يناير 2026، وليعلنوا مطالبهم؛ لا مانع لديّ من ذلك. لكن لا ينبغي لأحد أن يتجاهل دعوة 27 فبراير، ولا أن يُسهم أحد في طمسها".
لكن دعوات تركية أخرى، طالبت بحظر مسيرة ديار بكر من الأساس، حيث تقدمت مجموعة من المحامين بطلب إلى ولاية ديار بكر، ووزارة الداخلية، ورئاسة الجمهورية، لحظر المظاهرة بزعم أنها تشكل دعاية لمنظمة "إرهابية".
وتثير عملية السلام الجارية حساسية لدى كل أطرافها بعد عقود من الصراع المسلح الذي خلّف عشرات آلاف الضحايا العسكريين والمدنيين من الطرفين، وفشلت خلالها محاولات سابقة لإنهاء الصراع، آخرها مسار انطلق عام 2013 وانهار عام 2015.