في وقت تتصاعد فيه تهديدات واشنطن بالانسحاب من أوروبا، طرح المفوض الأوروبي للدفاع فكرة جريئة قد تغير وجه الأمن للقارة العجوز وهي إنشاء قوة عسكرية دائمة من 100 ألف جندي.
الفكرة التي سبق أن تبناها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2018 عادت للواجهة بقوة، لكنها تصطدم بعقبات هائلة، بشأن هذه القوات ومن سيقودها وما إذا كانت ستتنافس مع حلف شمال الأطلسي أم تكمله.
وحول هذا الطرح انقسم خبراء عسكريون بين من يرى الفكرة ضرورة ملحة ومن يعتبرها مجرد "أسطورة" يستحيل تحقيقها في ظل غياب دولة أوروبية فيدرالية موحدة.
وقال المفوض أندريوس كوبيليوس الأحد الماضي في خطاب ألقاه من ستوكهولم: "إذا انسحب الأمريكيون من أوروبا، كيف سنعوض الـ 100 ألف جندي أمريكي الذين يشكلون القوة العسكرية الدائمة، العمود الفقري الحقيقي لأوروبا؟".
ومن بين الحلول المطروحة، تبرز فكرة سبق أن اقترحها ماكرون عام 2018: "قوة عسكرية أوروبية دائمة قوية من 100 ألف جندي".
لكن المفوض تساءل: "كيف ستعمل؟ من سيشكلها ومن سيقودها؟".
وأشارت المفوضية الأوروبية إلى أنه من السابق لأوانه الإجابة عن هذه الأسئلة، وأن الأمر "دعوة للتفكير المشترك" أكثر منه مقترحاً رسمياً.
وأوضح مصدر في بروكسل: "أراد كوبيليوس خلق مساحة لهذا النقاش، ودعوة الأطراف المعنية للانخراط في الحوار".
لكن أمام النداءات المتكررة من إدارة ترامب للأوروبيين بتأمين دفاعهم بأنفسهم، شدد المفوض الأوروبي على ضرورة "بناء استقلالية أوروبا". فهل الفكرة قابلة للتطبيق؟.
بدوره قال غيوم لاسكونجارياس، مدير الدراسات والأبحاث في معهد الدراسات العليا للدفاع الوطني إن الفكرة "تنفيذها معقد جداً"، رغم الزيادة الملحوظة في نفقات الدفاع لدول الاتحاد الأوروبي من 1.6% من الناتج المحلي عام 2023 إلى حوالي 2.1% عام 2025.
وبحسبه، فإن "التحدي الأول هو إيجاد القوات اللازمة"، إذ تشير التقديرات إلى أن الدول الأوروبية تمتلك نحو 1.5 مليون عسكري، بما في ذلك بريطانيا.
يوضح لاسكونجارياس: "الجنود الأمريكيون، حيث يقع مقر قيادة القوات الأمريكية في أوروبا في شتوتغارت بألمانيا، موجودون إضافة إلى قواتنا".
بعبارة أخرى، سيكون مطلوباً إيجاد 100 ألف جندي إضافي كحد أدنى، بل قد تحتاج أوروبا إلى 300 ألف عسكري إضافي لردع روسيا، وفقاً لدراسة من معهد كيل ومركز بروغل للأبحاث.
من جهته يذكّر الجنرال جان مارك فيجيلانت، ضابط القوات الجوية والفضاء السابق ومدير مدرسة الحرب الأسبق: "الأمر لا يتعلق بالجنود فقط، فالأمريكيون سيرحلون أيضاً بمسهّليهم الاستراتيجيين"، مثل طائرات النقل الاستراتيجي والأقمار الصناعية.
التحدي الثاني يكمن في القيادة، في ظل بقاء الدفاع اختصاصاً وطنياً. يؤكد فيجيلانت: "الجيش يستجيب لحكومة منتخبة من شعب: طالما أن الاتحاد الأوروبي ليس دولة فيدرالية، لن يكون هناك جيش أوروبي".
ويقطع ضابط رفيع سابق في الجيش الفرنسي بأن "الجيش الأوروبي أسطورة"، رافضاً "الفيدرالية في مجال الدفاع".
يشير جيروم بيليستراندي، رئيس تحرير مجلة الدفاع الوطني، إلى وجود "قابلية للتشغيل المشترك" بين الدول الأوروبية بالفعل، "في جميع المجالات: الطيران والبحرية والقوات البرية, ويوجد مثلاً لواء فرنسي-ألماني يضم 5600 جندي، إلى جانب مشاريع أوروبية كطائرة SCAF المقاتلة المستقبلية".
واقعياً، هناك كيان موجود مسبقاً ينتمي إليه 23 من أصل 27 عضواً في الاتحاد الأوروبي وهو "حلف الناتو"، الذي تبقى الولايات المتحدة المساهم الرئيس فيه. فهل ثمة خطر منافسة؟.
وكان الأمين العام السابق للحلف ينس شتولتنبرغ حذر نهاية 2022: "لا نحتاج لمبادرات تخلق ازدواجية... أؤمن بالجهود الأوروبية، بشرط أن تكمّل جهود الناتو".
أما كوبيليوس فأجاب في سبتمبر 2025: "يجب ألا نتنافس" مع الناتو.
لكن للخبراء رأي آخر: تطوير "الركيزة الأوروبية للناتو"، "بتولي مناصب المسؤولية" في حال انسحاب أمريكي، كما يقترح الجنرال بيليستراندي.
مع العلم أن منصب القائد الأعلى للقوات المتحالفة في أوروبا يشغله تقليدياً أمريكي، بينما يشغل الأمين العام شخصية سياسية أوروبية.
ويدعو فيجيلانت إلى "قدرة دفاعية فورية" على المستوى القاري منذ وقت السلم، مشدداً: "القيادة العسكرية ضعيفة جداً في الاتحاد الأوروبي. يجب بناء شيء يسمح باتخاذ قرارات سريعة بما في ذلك للدفاع الجماعي".
ودعا كوبيليوس في خطابه إلى "مجلس أوروبي للأمن" يكون قادرا على "اتخاذ قرارات مهمة بسرعة".